ولأجل هيمنته على ما قبله من الكتب قال تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
( 76 ) [ النمل : 76 ] الآية . وقال :
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 93 ) [ آل عمران : 93 ] وقال
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ
[ المائدة : 15 ] الآية .
الوجه الثاني - أن معنى كونه « قيّما » : أنه قيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية . وهذا الوجه في الحقيقة يستلزمه الوجه الأول .
واعلم أن علماء العربية اختلفوا في إعراب قوله « قيّما » فذهب جماعة إلى أنه حال من الكتاب . وأن في الآية تقديما وتأخيرا ، وتقريره على هذا : أنزل على عبده الكتاب في حال كونه قيما ولم يجعل له عوجا . ومنع هذا الوجه من الإعراب الزمخشري في الكشاف قائلا :
إن قوله
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
( 1 ) [ الكهف : 1 ] معطوف على صلة الموصول التي هي جملة
أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
[ الكهف : 1 ] والمعطوف على الصلة داخل في حيز الصلة ؛ فجعل « قيّما » حال من « الكتاب » يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها ببعض الصلة ، وذلك لا يجوز . وذهب جماعة آخرون إلى أن « قيّما » حال من « الكتاب » وأن المحذور الذي ذكره الزمخشري منتف . وذلك أنهم قالوا : إن جملة
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
( 1 ) ليست معطوفة على الصلة ، وإنما هي جملة حالية . وقوله « قيّما » حال بعد حال ، وتقريره : أن المعنى أنزل على عبده الكتاب في حال كونه غير جاعل فيه عوجا ، وفي حال كونه قيما . وتعدد الحال لا إشكال فيه ، والجمهور على جواز تعدد الحال مع اتحاد عامل الحال وصاحبها ، كما أشار له في الخلاصة بقوله :
والحال قد يجيء ذا تعدد * لمفرد فاعلم وغير مفرد
وسواء كان ذلك بعطف أو بدون عطف . فمثاله مع العطف : قوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
( 39 ) [ آل عمران : 39 ] ومثاله بدون عطف قوله تعالى :
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً
[ الأعراف : 150 ] الآية . وقول الشاعر :
على إذا ما جئت ليلى بخفية * زيارة بيت اللّه رجلان حافيا
ونقل عن أبي الحسن بن عصفور منع تعدد الحال ما لم يكن العامل فيه صيغة التفضيل في نحو قوله : هذا بسرا أطيب منه رطبا . ونقل منع ذلك أيضا عن الفارسي وجماعة .
وهؤلاء الذين يمنعون تعدد الحال يقولون : إن الحال الثانية إنما هي حال من الضمير المستكن في الحال الأولى . والأولى عندهم هي العامل في الثانية . فهي عندهم أحوال متداخلة ، أو يجعلون الثانية نعتا للأولى وممن اختار أن جملة
وَلَمْ يَجْعَلْ
حالية ، وأن