ونظير هذا قول الآخر :
فقل للشامتين بنا أفيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا
قوله تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 35 )
[ 35 ] .
المعنى : وتختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا ، ومما يجب فيه الشكر من النعم ، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر ، وقوله
فِتْنَةً
مصدر مؤكد ل
وَنَبْلُوكُمْ
من غير لفظة .
وما ذكره جل وعلا : من أنّه يبتلي خلقه أي يختبرهم بالشر والخير قد بيّنه في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 168 ) [ الأعراف :
168 ] ، وقوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 45 ) [ الأنعام : 42 - 45 ] ، وقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 95 ) [ الأعراف : 94 - 95 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله تعالى في هذه الآيات الكريمة :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
يدلّ على أنّ بلا يبلو تستعمل في الاختبار بالنّعم ، وبالمصائب والبلايا . وقال بعض العلماء : أكثر ما يستعمل في الشرّ بلا يبلو ، وفي الخير أبلى يبلي . وقد جمع اللغتين في الخير قول زهير بن أبي سلمى :
جزى اللّه بالإحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
قال : أي نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء ، والصحة والسقم ، والغنى والفقر ، والحلال والحرام ، والطاعة والمعصية ، والهدى والضلال « 1 » .
قوله تعالى :
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ ( 36 )
[ 36 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار إذا رأوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما يتخذونه إلا هزوا ، أي مستهزأ به مستخفا به . والهزؤ : السخرية ، فهو مصدر وصف به . ويقولون : أهذا
هامش
( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : ابن جرير الطبري في جامع البيان 17 / 19 ، وابن كثير في التفسير 3 / 179 .