تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
الذي يذكر الهتكم أي يعيبها وينفي أنها تشفع لكم وتقربكم إلى اللّه زلفى ، ويقول : إنها لا تنفع من عبدها ، ولا تضر من لم يعبدها ، وهم مع هذا كلّه كافرون بذكر الرحمن . فالخطاب في قوله
وَإِذا رَآكَ
للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . و « إن » في قوله
إِنْ يَتَّخِذُونَكَ
نافية . والاستفهام في قوله
أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
قال فيه أبو حيان في البحر : إنه للإنكار والتعجيب . والذي يظهر لي أنهم يريدون بالاستفهام المذكور التحقير بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما تدلّ عليه قرينة قوله
إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً
. وقد تقرّر في فن المعاني : أن من الأغراض التي تؤدي بالاستفهام التحقير . وقال القرطبي في تفسير هذه الآية : إن جواب « إذا » هو القول المحذوف ، وتقديره : وإذا رءاك الّذين كفروا يقولون أهذا الذي يذكر آلهتكم . وقال : إن جملة
إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً
جملة معترضة بين إذا وجوابها . واختار أبو حيان في البحر أنّ جواب « إذا » هو جملة
إِنْ يَتَّخِذُونَكَ
وقال : إن جواب إذا بجملة مصدرة ب « إن » أو ما النافيتين لا يحتاج إلى الاقتران بالفاء . وقوله
يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
أي يعيبها . ومن إطلاق الذكر بمعنى العيب قوله تعالى :
قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
( 60 ) [ الأنبياء : 60 ] أي يعيبهم . وقول عنترة :
لا تذكري مهري وما أطعمته * فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
أي لا تعيبي مهري ، قاله القرطبي . وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة : الذّكر يكون بخير وبخلافه . فإذا دلّت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيّد ، كقولك للرجل : سمعت فلانا يذكرك ، فإذا كان الذاكر صديقا فهو ثناء ؛ وإن كان عدّوا فذّم ، ومنه قوله تعالى :
سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ
[ الأنبياء : 60 ] ، وقوله :
أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
[ الأنبياء : 36 ] انتهى محلّ الغرض منه . والجملة في قوله :
وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ
( 36 ) حالية . وقال بعض أهل العلم : معنى كفرهم بذكر الرحمن هو الموضح في قوله تعالى
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً
( 60 ) [ الفرقان : 60 ] ، وقولهم : ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب . وقد بين ابن جرير الطبري وغيره : أن إنكارهم لمعرفتهم الرحمن تجاهل منهم ومعاندة مع أنهم يعرفون أن الرحمن من أسماء اللّه تعالى . قال : وقال بعض شعراء الجاهلية الجهلاء :
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها * ألا قطع الرحمن ربي يمينها
وقال سلامة بن جندل الطهوي :
عجلتم علينا عجلتينا عليكم * وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
وفي هذه الآية الكريمة دلالة واضحة على سخافة عقول الكفار ؛ لأنهم عاكفون على
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 431 | الشنقيطي