محفوظ من كل شيطان رجيم ؛ كقوله :
وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
( 17 ) [ الحجر : 17 ] ، وقد بيّنا الآيات الدالّة على حفظها من جميع الشياطين في سورة « الحجر » . وأما كون الكفار معرضين عما فيها من الآيات فقد بينه في مواضع من كتابه ؛ كقوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ
( 105 ) [ يوسف : 105 ] ، وقوله :
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا
[ القمر : 2 ] الآية ، وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ
[ يونس : 96 - 97 ] ، وقوله :
وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
( 101 ) [ يونس : 101 ] .
قوله تعالى :
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ( 34 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ 34 - 35 ] .
قال بعض أهل العلم : كان المشركون ينكرون نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم ويقولون : هو شاعر يتربّص به ريب المنون ، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان ؛ فقال اللّه تعالى : قد مات الأنبياء من قبلك ، وتولّى دينه بالنصر والحياطة ، فهكذا نحفظ دينك وشرعك .
وقال بعض أهل العلم : لمّا نعى جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه قال : « فمن لأمّتي » ؟
فنزلت
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ
والأوّل أظهر ؛ لأنّ السورة مكية : ومعنى الآية : أن اللّه لم يجعل لبشر قبل نبيّه الخلد ؛ أي دوام البقاء في الدنيا ، بل كلّهم يموت .
وقوله :
أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ
استفهام ، إنكاري معناه النفي . والمعنى : أنك إن مت فهم لن يخلدوا بعدك ، بل سيموتون . ولذلك أتبعه بقوله :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
.
وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سيموت ، وأنهم سيموتون ، وأن الموت ستذوقه كل نفس - أوضحه في غير هذا الموضع ؛ كقوله تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
( 30 ) [ الزمر : 30 ] ، وكقوله :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
( 27 ) [ الرحمن : 27 ] ، وقوله في سورة « آل عمران » :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
[ آل عمران :
185 ] ، وقوله في سورة « العنكبوت » :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ
( 57 ) [ العنكبوت : 56 - 57 ] ، وقوله تعالى في سورة « النساء » :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[ النساء : 78 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا في سورة « الكهف » استدلال بعض أهل العلم بهذه الآية الكريمة على موت الخضر عليه السلام . وقال بعض أهل العلم في قوله :
فَهُمُ الْخالِدُونَ
( 34 ) : هو استفهام حذفت أداته ؛ أي أفهم الخالدون . وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها جائز ، وهو قياسي عند الأخفش مع « أم » ودونها ذكر الجواب أم لا : فمن أمثلته دون « أم » ودون ذكر الجواب قول الكميت :