ذكر أصنام لا تنفع ولا تضرّ ، ويسوءهم أن تذكر بسوء ، أو يقال إنها لا تشفع ولا تقرّب إلى اللّه . وأما ذكر اللّه وما يجب أن يذكر به من الوحدانية فهم به كافرون لا يصدّقون به ، فهم أحقّ بأن يتخذوا هزؤا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الذي اتخذوه هزؤا ، فإنه محقّ وهم مبطلون .
فإذا عرفت معنى هذه الآية الكريمة فاعلم - أنّ هذا المعنى الذي دلّت عليه جاء أيضا مبينا في سورة « الفرقان » في قوله تعالى :
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ( 41 ) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( 42 ) [ الفرقان : 41 - 42 ] فتحقيرهم لعنهم اللّه له صلّى اللّه عليه وسلّم المذكور في قوله في « الأنبياء » في قوله :
أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
هو المذكور في قوله في « الفرقان » :
أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
( 41 ) [ الفرقان : 41 ] . وذكره لآلهتهم بالسوء المذكور في « الأنبياء » في قوله :
يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ
هو المذكور في « الفرقان » في قوله :
إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها
[ الفرقان : 42 ] أي لما يبين من معائبها ، وعدم فائدتها ، عظم ضرر عبادتها .
قوله تعالى :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ( 37 )
[ 37 ] .
قد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر بعض العلماء في الآية قولا ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول . فإذا علمت ذلك فاعلم - أنّ في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
مِنْ عَجَلٍ
فيه للعلماء قولان معروفان ، وفي نفس الآية قرينة تدلّ على عدم صحة أحدهما . أما القول الذي دلّت القرينة المذكورة على عدم صحته : فهو قول من قال : العجل الطين وهي لغة حميريّة ؛ كما قال شاعرهم :
البيع في الصخرة الصماء منبته * والنخل ينبت بين الماء والعجل
يعني : بين الماء والطين . وعلى هذا القول فمعنى الآية : خلق الإنسان من طين ، كقوله تعالى
أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً
( 61 ) [ الإسراء : 61 ] ، وقوله :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ
( 7 ) [ السجدة : 7 ] . والقرينة المذكورة الدالّة على أن المراد بالعجل في الآية ليس الطين قوله بعده :
فَلا تَسْتَعْجِلُونِ
( 37 ) ، وقوله :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 38 ) [ الأنبياء : 37 - 38 ] . فهذا يدل على أن المراد بالعجل هو العجلة التي هي خلاف التأنّي والتثبّت . والعرب تقول : خلق من كذا . يعنون بذلك المبالغة في الإنصاف ؛ كقولهم : خلق فلان من كرم ، وخلقت فلانة من الجمال . ومن هذا المعنى قوله تعالى :
* اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ
[ الروم : 54 ] على الأظهر . ويوضح هذا المعنى قوله تعالى :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
( 11 ) [ الإسراء : 11 ] أي ومن عجلته دعاؤه على نفسه أو ولده بالشرّ . قال بعض العلماء : كانوا يستعجلون عذاب اللّه وآياته الملجئة إلى