تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
قتل عثمان رضي اللّه عنه » « 1 » . وقال بعض العلماء : هي قرية غير معيّنة ، ضربها اللّه مثلا للتّخويف من مقابلة نعمة الأمن والاطمئنان والرّزق ، بالكفر والطّغيان . وقال من قال بهذا القول : إنّه يدلّ عليه تنكير القرية في الآية الكريمة في قوله :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً
الآية . قال مقيّدة عفا اللّه عنه : وعلى كلّ حال ، فيجب على كلّ عاقل أن يعتبر بهذا المثل ، وألّا يقابل نعم اللّه بالكفر والطّغيان ؛ لئلّا يحلّ به ما حلّ بهذه القرية المذكورة . ولكنّ الأمثال لا يعقلها عن اللّه إلا من أعطاه اللّه علما ؛ لقوله :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
. وفي قوله في هذه الآية الكريمة
قَرْيَةً
وجهان من الإعراب . أحدهما - أنّه يدل من قوله
مَثَلًا
. الثّاني - أنّ
ضَرَبَ
مضمن معنى جعل ، وأنّ
قَرْيَةً
هي المفعول الأوّل ، و
مَثَلًا
المفعول الثّاني . وإنّما أخّرت قرية لئلّا يقع الفصل بينها وبين صفاتها المذكورة في قوله :
كانَتْ آمِنَةً . .
الخ . وقوله في هذه الآية الكريمة :
مُطْمَئِنَّةً
أي لا يزعجها خوف ؛ لأن الطّمأنينة مع الأمن ، والانزعاج والقلق مع الخوف . وقوله :
رَغَداً
أي واسعا لذيذا . والأنعام قيل جمع نعمة كشدّة وأشدّ . أو على ترك الاعتداد بالتّاء ؛ كدرع وأدرع . أو جمع نعم كبؤس وأبؤس ؛ كما تقدّم في ( سورة الأنعام ) في الكلام على قوله :
حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
[ الأنعام : 152 ] الآية . وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف ، هو أن يقال : كيف أوقع الإذاقة على اللّباس في قوله
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
الآية . وروي أن ابن الراوندي الزنّديق قال لابن الأعرابيّ إمام اللّغة الأدب : هل يذاق اللّباس ؟ ! يريد الطعّن في قوله تعالى :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ
الآية . فقال له ابن الأعرابيّ : لا بأس أيّها النّسناس ! هب أنّ محمّدا صلى اللّه عليه وسلم ما كان نبيّا ! أما كان عربيّا ؟ قال مقيّده عفا اللّه عنه : والجواب عن هذا السّؤال ظاهر ، وهو أنّه أطلق اسم اللّباس على ما أصابهم من الجوع والخوف ؛ لأنّ آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم ، وتحيط بها كالباس . ومن حيث وجدانهم ذلك اللّباس المعبرّ به عن آثار الجوع والخوف ، أوقع عليه الإذاقة ، فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيّون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة وقد أوضحنا في رسالتنا الّتي سّميناها ( منع جواز المجاز في المنزل للتّعبّد والإعجاز ) : أنّه لا يجوز لأحد أن يقول إنّ في القرآن مجازا ، وأوضحنا ذلك بأدلّته ، وبيّنّا أنّ ما يسميّه البيانيّون مجازا أنّه أسلوب من أساليب اللّغة العربية .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 14 / 125 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 281 | الشنقيطي