جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
[ البقرة : 125 ] الآية ، وقوله :
يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ
قال نظيره عن أهل مكّة أيضا ؛ كقوله :
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ
[ القصص : 57 ] ، وقوله :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
( 4 ) [ قريش : 1 - 4 ] فإنّ رحلة الشّتاء كانت إلى اليمن ، ورحلة الصّيف كانت إلى الشّام ، وكانت تأتيهم من كلتا الرّحلتين أموال وأرزاق ؛ ولذا أتبع الرّحلتين بامتنانه عليهم : بأنّ أطعمهم من جوع . وقوله في دعوة إبراهيم :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ
[ البقرة : 126 ] الآية ، وقوله :
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ
[ إبراهيم : 37 ] الآية .
وقوله :
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
ذكر نظيره عن أهل مكة في آيات كثيرة ؛ كقوله :
* أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
( 28 ) [ إبراهيم : 28 ] .
وقد قدّمنا طرفا من ذلك في الكلام على قوله تعالى
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها
[ النحل : 83 ] الآية .
وقوله :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
( 112 ) وقع نظيره قطعا لأهل مكة ؛ لما لجّوا في الكفر والعناد ، ودعا عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : « اللّهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف » فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء ، حتى أكلوا الجيف والعلهز ( وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه ) ، وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن ؛ وذلك الخوف من جيوش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وغزواته وبعوثه وسراياه .
وهذا الجوع والخوف أشار لهما القرآن على بعض التفسيرات ؛ فقد فسر ابن مسعود آية ( الدخان ) بما يدل على ذلك .
قال البخاري في صحيحه : باب
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ
( 10 ) [ الدخان : 10 ] فارتقب : فانتظر . حدّثنا عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عبد اللّه قال : مضى خمس : الدخان ، والروم ، والقمر ، والبطشة ، واللزام .
يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ
( 11 ) [ الدخان : 11 ] حدثنا يحيى ، حدثنا أبو معاوية ؛ عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق قال : قال عبد اللّه : « إنما كان هذا لأن قريشا لما استعصوا على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف ؛ فأصابهم قحط وجهد ، حتى أكلوا العظام ؛ فجعل الرجل ينظر إلى السماء فير ما بينه وبينها كهيئة الدّخان من الجهد ؛ فأنزل اللّه تعالى
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ( 10 ) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ
( 11 ) [ الدخان : 10 - 11 ] فأتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقيل : يا رسول اللّه ، استسق اللّه لمضر ! إنّك لجريء ! » فاستسقى فسقوا ؛ فنزلت
إِنَّكُمْ عائِدُونَ
( 15 ) [ الدخان : 15 ] فلمّا أصابتهم الرّفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرّفاهية ؛ فأنزل اللّه عزّ وجلّ :
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ