تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
نهى اللّه جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة الكفّار عن تحريم ما أحلّ اللّه من رزقه ، ممّا شرع لهم عمرو بن لحي ( لعنه اللّه ) من تحريم ما أحلّ اللّه . وقد أوضح جلّ وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة ؛ كقوله :
قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ
[ الأنعام : 150 ] ، وقوله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
( 59 ) [ يونس : 59 ] ، وقوله :
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
( 140 ) [ الأنعام : 140 ] ، وقوله :
وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا
[ الأنعام : 139 ] الآية ، وقوله :
وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ
[ الأنعام : 138 ] الآية . وقوله
حِجْرٌ
أي حرام ، إلى غير ذلك من الآيات ، كما تقدّم . وفي قوله
الْكَذِبَ
أوجه من الإعراب : أحدهما - أنّه منصوب ب
تَقُولُوا
أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من رزق اللّه بالحلّ والحرمة ؛ كما ذكر في الآيات المذكورة آنفا من غير استناد ذلك الوصف إلى دليل . واللّام مثلها في قولك : لا تقولوا لما أحلّ اللّه : هو حرام . وكقوله :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ
[ البقرة : 154 ] الآية . وجملة
هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
بدل من
الْكَذِبَ
وقيل : إنّ الجملة المذكورة في محلّ نصب ؛
تَصِفُ
بتضمينها معنى تقول ؛ أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم ، فتقول هذا حلال وهذا حرام . وقيل :
الْكَذِبَ
مفعول به ل
تَصِفُ
. و ( ما ) مصدرية ، وجملة
هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
متعلقة ب
لا تَقُولُوا
أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لو صف ألسنتكم الكذب ؛ أي لا تحرّموا ولا تحلّلوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ، ويجول في أفواهكم ؛ لا لأجل حجّة وبيّنة - قاله صاحب الكشّاف . وقيل :
الْكَذِبَ
بدل من هاء المفعول المحذوفة ؛ أي لما تصفه ألسنتكم الكذب .

تنبيه

كان السّلف الصّالح رضي اللّه عنهم يتورّعون عن قولهم : هذا حلال وهذا حرام ؛ خوفا من هذه الآيات . قال القرطبيّ في تفسير هذه الآية الكريمة : قال الدارميّ أبو محمّد في مسنده : أخبرنا هارون ، عن حفص ، عن الأعمش قال : « ما سمعت إبراهيم قط يقول : حلال ولا حرام ، ولكن كان يقول : كانوا يكرهون ، وكانوا يستحبون » . وقال ابن وهب : قال مالك : لم يكن من فتيا النّاس أن يقولوا : هذا حلال وهذا
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 283 | الشنقيطي