حرام ، ولكن يقولوا إيّاكم كذا وكذا ، ولم أكن لأصنع هذا . انتهى .
وقال الزّمخشريّ : واللّام في قوله
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
من التّعليل الّذي لا يتضمّن معنى الفرض اه . وكثير من العلماء يقولون : هي لام العاقبة . والبيانيّون يزعمون أنّ حرف التّعليل كالّلام إذا لم تقصد به علّة غائيّة ؛ كقوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا
[ القصص : 8 ] الآية ، وقوله هنا :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
أنّ في ذلك استعارة تبعيّة في معنى الحرف .
قال مقيّده عفا اللّه عنه : بل كلّ ذلك من أساليب اللّغة العربية . فمن أساليبها : الإتيان بحرف التّعليل للدّلالة على العلّة الغائية ؛ كقوله :
وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
[ الحديد : 25 ] الآية . ومن أساليبها الإتيان باللّام للدّلالة على ترتب أمر على أمر ؛ كترتب المعلول على علّته الغائيّة . وهذا الأخير كقوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
؛ لأن العلّة الغائيّة الباعثة لهم على التقاطه ليست هي أن يكون لهم عدوّا ، بل ليكون لهم قرّة عين ؛ كما قالت امرأة فرعون :
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
[ القصص : 9 ] ولكن لمّا كان كونه عدوّا لهم وحزنا يترتّب على التقاطهم له ؛ كترتّب المعلول على علّته الغائيّة - عبّر فيه باللّام الدّالّة على ترتيب المعلول على العلّة . وهذا أسلوب عربيّ ، فلا حاجة إلى ما يطيل به البيانيّون في مثل هذا المبحث .
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 )
[ 116 - 117 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : إنّ الّذين يفترون عليه الكذب - أي يختلقونه عليه - كدعواهم أنّه حرّم هذا وهو لم يحرّمه . ودعواهم له الشّركاء والأولاد - لا يفلحون ؛ لأنّهم في الدنيا لا ينالون إلا متاعا قليلا لا أهميّة له ، وفي الآخرة يعذّبون العذاب العظيم ، الشّديد المؤلم .
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله في يونس :
قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 69 ) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
( 70 ) [ يونس : 69 - 70 ] ، وقوله :
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ
( 24 ) [ لقمان : 24 ] ، وقوله :
قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
( 126 ) [ البقرة : 126 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله
مَتاعٌ قَلِيلٌ
خبر مبتدإ محذوف ؛ أي متاعهم في الدّنيا متاع قليل . وقال الزّمخشريّ : منفعتهم في الدّنيا متاع قليل . وقوله
لا يُفْلِحُونَ
أي لا ينالون الفلاح ، وهو يطلق على معنيين : أحدهما - الفوز بالمطلوب الأكبر . والثّاني - البقاء السّرمديّ ؛ كما تقدّم