ونعت وسمّى ، وأهلك وأبقى ، وأسعد وأشقى ، وقصّ من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة - من بديع اللفظ والبلاغة والإيجاز والبيان - لجفّت الأقلام . وقد أفردت بلاغة هذه الآية بالتأليف ، وفي « العجائب » للكرماني : أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية ، بعد أن فتشوا جميع كلام العرب والعجم ، فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها ، وحسن نظمها ، وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال .
وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
[ النمل : 18 ] الآية ، جمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسا من الكلام : نادت ، وكنّت ، ونبّهت ، وسمّت ، وأمرت ، وقصّت ، وحذّرت ، وخصّت ، وعمّت ، وأشارت ، وعذرت . فالنداء : ( يا ) ، والكناية : ( أيّ ) ، والتنبيه : ( ها ) ، والتسمية :
النَّمْلِ
، والأمر :
ادْخُلُوا
، والقصص :
مَساكِنَكُمْ
، والتحذير :
لا يَحْطِمَنَّكُمْ
، والتخصيص : ، والتعميم :
جُنُودُهُ
، والإشارة :
وَهُمْ
، والعذر :
لا يَشْعُرُونَ
. فأدّت خمسة حقوق : حقّ اللّه ، وحقّ رسوله ، وحقّها ، وحقّ رعيّتها ؛ وحقّ جنود سليمان .
وقوله :
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
[ الأعراف : 31 ] الآية ، جمع فيها أصول الكلام : النداء ، والعموم ، والخصوص ، والأمر ، والإباحة ، والنهي ، والخبر .
وقال بعضهم : جمع اللّه الحكمة في شطر آية :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
[ الأعراف : 31 ] .
وقوله تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ
[ القصص : 7 ] الآية ، قال ابن العربيّ « 1 » : هي من أعظم آي في القرآن فصاحة ، إذ فيها أمران ونهيان وخبران وبشارتان .
وقوله :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[ الحجر : 94 ] قال ابن أبي الإصبع : المعنى : صرّح بجميع ما أوحي إليك ، وبلغ كلّ ما أمرت ببيانه ، وإن شقّ بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت . والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب ، فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبّض والانبساط ، ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار ، كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة ، فانظر إلى جليل هذه الاستعارة ، وعظم إيجازها ، وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة . وقد حكي أنّ بعض الأعراب لمّا سمع هذه الآية سجد
هامش
( 1 ) انظر أحكام القرآن ، وتفسير القرطبي 13 / 225 ونقله عن جارية تكلمت مع الأصمعي .