وقال : سجدت لفصاحة هذا الكلام .
وقوله تعالى :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
[ الزخرف : 71 ] قال بعضهم : جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على وصف ما فيها على التفصيل لم يخرجوا عنه .
وقوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : 179 ] فإنّ معناه كثير ولفظه قليل ، لأنّ معناه : أنّ الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا إلى ألّا يقدم على القتل ، فارتفع بالقتل - الذي هو القصاص - كثير من قتل الناس بعضهم لبعض ، وكان ارتفاع القتل حياة لهم . وقد فضّلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى ، وهو قولهم : ( القتل أنفى للقتل ) بعشرين وجها أو أكثر ، وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال : لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق ، وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك .
الأول : أنّ ما يناظره من كلامهم ، وهو قوله : ( القصاص حياة ) ، أقلّ حروفا ، فإنّ حروفه عشرة ، وحروف : ( القتل أنفى للقتل ) أربعة عشر .
الثاني : أنّ نفي القتل لا يستلزم الحياة ، والآية ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه .
الثالث : أنّ تنكير ( حياة ) يفيد تعظيما ، فيدلّ على أنّ في القصاص حياة متطاولة ، كقوله تعالى :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
[ البقرة : 96 ] ولا كذلك المثل ، فإنّ اللام فيه للجنس ؛ ولذا فسّروا الحياة فيها بالبقاء .
الرابع : أن الآية فيه مطّردة ، بخلاف المثل ؛ فإنه ليس كلّ قتل أنفى للقتل ، بل قد يكون أدعى له ، وهو القتل ظلما ، وإنما ينفيه قتل خاصّ وهو القصاص ، ففيه حياة أبدا .
الخامس : أنّ الآية خالية من تكرار لفظ : ( القتل ) الواقع في المثل ، والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه ، وإن لم يكن مخلا بالفصاحة .
السادس : أنّ الآية مستغنية عن تقدير محذوف ، بخلاف قولهم ؛ فإنّ فيه حذف ( من ) التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها . وحذف ( قصاصا ) مع القتل الأوّل ، ( وظلما ) مع القتل الثاني ، والتقدير : القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما من تركه .
السابع : أنّ في الآية طباقا ، لأنّ القصاص مشعر بضد الحياة ، بخلاف المثل .