فإن قلت : عدم ذكرك المساواة في الترجمة لما ذا ؟ هل هو لرجحان نفيها أو عدم قبولها ، أو لأمر غير ذلك ؟
قلت : لهما ، ولأمر ثالث ، وهو : أنّ المساواة لا تكاد توجد ، خصوصا في القرآن ، وقد مثّل لها في « التلخيص » « 1 » بقوله تعالى :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
[ فاطر : 43 ] . وفي « الإيضاح » بقوله :
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا
[ الأنعام : 68 ] .
وتعقّب : بأنّ في الآية الثانية حذف موصوف
الَّذِينَ
، وفي الأولى إطناب بلفظ
السَّيِّئِ
لأنّ المكر لا يكون إلّا سيئا ، وإيجاز بالحذف إن كان الاستثناء غير مفرّغ ، أي :
بأحد ، وبالقصر في الاستثناء ، وبكونها حاثّة على كفّ الأذى عن جميع الناس ، محذّرة عن جميع ما يؤدّي إليه ، وبأنّ تقديرها يضرّ بصاحبه مضرّة بليغة ، فأخرج الكلام مخرج الاستعارة التبعيّة الواقعة على سبيل التمثيليّة ، لأن ( يحيق ) بمعنى ( يحيط ) ، فلا يستعمل إلّا في الأجسام .
تنبيه الإيجاز والاختصار بمعنى واحد ،
كما يؤخذ من « المفتاح » ، وصرّح به الطيبيّ .
وقال بعضهم : الاختصار خاص بحذف الجمل فقط ، بخلاف الإيجاز قال الشيخ بهاء الدين : وليس بشيء .
والإطناب : قيل : بمعنى الإسهاب ، والحقّ أنه أخصّ منه ، فإنّ الإسهاب : التطويل لفائدة أو لا لفائدة ، كما ذكره التنوخيّ وغيره .
فصل الإيجاز قسمان : إيجاز قصر ، وإيجاز حذف .
فالأوّل : هو الوجيز بلفظه ،
قال الشيخ بهاء الدين : الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه فهو إيجاز حذف ، وإن كان كلاما يعطي معنى أطول منه فهو إيجاز قصر .
وقال بعضهم : إيجاز القصر هو تكثير المعنى بتقليل اللفظ .
وقال آخر : هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقلّ من القدر المعهود عادة .
وسبب حسنه : أنّه يدلّ على التمكّن في الفصاحة ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أوتيت جوامع
هامش
( 1 ) التلخيص ص 213 .