شيء يعتمده ، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ، ظانّا أنّ له أصلا ؛ غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ، ومن يرجع إليهم في التفسير ؛ حتى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
نحو عشرة أقوال . وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وجميع الصحابة والتابعين ، وأتباعهم ؛ حتى قال ابن أبي حاتم « 1 » : لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين .
ثم صنّف بعد ذلك قوم برعوا في علوم ، فكان كلّ منهم يقتصر في تفسيره على الفنّ الذي يغلب عليه :
فالنحويّ : تراه ليس له همّ إلّا الإعراب ، وتكثير الأوجه المحتملة فيه ، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافيّاته ، كالزّجّاج ، والواحدي في « البسيط » ، وأبي حيّان في « البحر » ، و « النهر » .
والأخباري : ليس له شغل إلّا القصص واستيفاؤها ، والإخبار عمّن سلف ، سواء كانت صحيحة أو باطلة ، كالثعلبيّ .
والفقيه : يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمّهات الأولاد وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق بها بالآية ، والجواب عن أدلة المخالفين ، كالقرطبي .
وصاحب العلوم العقلية - خصوصا الإمام فخر الدين - قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها ، وخرج من شيء إلى شيء ؛ حتى يقضي الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية .
قال أبو حيان في « البحر » : جمع الإمام الرازيّ في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ؛ ولذلك قال بعض العلماء : فيه كلّ شيء إلّا التفسير .
والمبتدع : ليس له قصد إلّا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد ؛ بحيث إنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها ، أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال سارع إليه . قال البلقينيّ : استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش ، من قوله تعالى في تفسير :
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
[ آل عمران : 185 ] : وأيّ فوز أعظم من دخول الجنة ! أشار به إلى عدم الرؤية « 2 » .
هامش
( 1 ) في تفسيره 1 / 23 .
( 2 ) انظر رسالتي « رؤية اللّه في الآخرة » وهي موجودة ضمن سلسلة عقائد أئمة السلف - صدر عن دار الكتاب العربي .