والترمذي والنسائي ، وقال : « من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار » أخرجه أبو داود « 1 » .
قال البيهقيّ « 2 » في الحديث الأوّل : هذا - إن صحّ - فإنّما أراد - واللّه أعلم - الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه ، وأما الذي يسنده برهان فالقول به جائز .
وقال في المدخل « 3 » : في هذا الحديث نظر ، وإن صحّ فإنما أراد به - واللّه أعلم - فقد أخطأ الطريق ، فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة ، وفي معرفة ناسخه ومنسوخه وسبب نزوله وما يحتاج فيه إلى بيانه إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله ، وأدّوا إلينا من السنن ما يكون بيانا لكتاب اللّه تعالى ، قال تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
[ النحل : 44 ] . فما ورد بيانه عن صاحب الشرع ففيه كفاية عن فكرة من بعده ، وما لم يرد عنه بيانه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده ؛ ليستدلّوا بما ورد بيانه على ما لم يرد .
قال : وقد يكون المراد به : من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم وفروعه ، فيكون موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة .
وقال الماورديّ « 4 » : قد حمل بعد المتورّعة هذا الحديث على ظاهره ، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده ، ولو صحبتها الشواهد ولم يعارض شواهدها نصّ صريح ، وهذا عدول عمّا تعبّدنا بمعرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام ، كما قال تعالى :
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
[ النساء : 83 ] . ولو صحّ ما ذهب إليه لم يعلم شيء بالاستنباط ، ولما فهم الأكثرون من كتاب اللّه شيئا . وإن صحّ الحديث : فتأويله أنّ من تكلّم في القرآن بمجرّد رأيه ، ولم يعرّج على سوى لفظه ، وأصاب الحقّ ، فقد أخطأ الطريق ، وإصابته اتفاق ؛ إذ الغرض أنّه مجرّد رأي لا شاهد له ؛ وفي الحديث : « القرآن
هامش
- ورواه من طريق الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : ابن عدي في الكامل 6 / 118 . والكلبي :
متهم بالكذب ، انظر الكامل 6 / 114 - 115 .
( 1 ) انظر الحديث السابق .
( 2 ) في شعب الإيمان 2 / 423 وقد وقع في مطبوعة زغلول أخطاء كثيرة وتحريفات في المتون ، منها قوله :
وهذا أصح ، والصواب : وهذا إن صح .
( 3 ) نقله في البرهان 2 / 162 .
( 4 ) في تفسيره النكت والعيون 1 / 34 - 36 ، ونقله في البرهان 2 / 162 - 163 .