ذلول ذو وجوه ، فاحملوه على أحسن وجوهه » « 1 » أخرجه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس .
فقوله : « ذلول » يحتمل معنيين :
أحدهما : أنه مطيع لحامليه ، تنطق به ألسنتهم .
والثاني : أنه موضّح لمعانيه ، حتى لا تقصر عنه أفهام المجتهدين .
وقوله : « ذو وجوه » يحتمل معنيين :
أحدهما : أنّ من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل .
والثاني : أنّه قد جمع وجوها من الأوامر والنّواهي والترغيب والترهيب والتحليل والتحريم .
وقوله : « فاحملوه على أحسن وجوهه » يحتمل معنيين :
أحدهما : الحمل على أحسن معانيه .
والثاني : أحسن ما فيه من العزائم دون الرّخص ، والعوف دون الانتقام ، وفيه دلالة ظاهره على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب اللّه تعالى .
وقال أبو الليث « 2 » : النّهي إنما انصرف إلى المتشابه منه لا إلى جميعه ، كما قال تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ
[ آل عمران : 7 ] ؛ لأن القرآن إنما نزل حجة على الخلق ؛ فلو لم يجز التفسير لم تكن الحجة بالغة . فإذا كان كذلك : جاز لمن عرف لغات العرب وأسباب النزول أن يفسّره ، وأمّا من لم يعرف وجوه اللغة : فلا يجوز أن يفسّره إلّا بمقدار ما سمع ؛ فيكون ذلك على وجه الحكاية لا على وجه التفسير . ولو أنه يعلم التفسير ، وأراد أن يستخرج من الآية حكما أو دليل الحكم ، فلا بأس به . ولو قال : المراد من الآية كذا من غير أن يسمع فيه شيئا ، فلا يحلّ ، وهو الذي نهي عنه .
وقال ابن الأنباريّ في الحديث الأوّل : حمله بعض أهل العلم على أنّ الرأي معني به الهوى ، فمن قال في القرآن قولا يوافق هواه - فلم يأخذه عن أئمة السلف - وأصاب فقد
هامش
( 1 ) رواه الدارقطني في سننه 4 / 145 ، والديلمي في الفردوس ( 4707 ) وفي سنده عند الدارقطني زكريا بن عطية : قال البخاري : منكر الحديث وقال العقيلي : مجهول النقل ، ولا يتابع عليه . انظر الضعفاء الكبير للعقيلي 2 / 85 ، والميزان 2 / 74 . وفي سنده الديلمي : جويبر : ضعيف جدا . انظر التقريب 1 / 136 .
( 2 ) انظر تفسيره بحر العلوم 1 / 72 .