فمن أمثلة الأوّل : قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
الآيات [ البقرة : 17 - 20 ] . ضرب فيها للمنافقين مثلين : مثلا بالنار ، ومثلا بالمطر .
أخرج ابن أبي حاتم وغيره ، من طريق عليّ بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال :
هذا مثل ضربه اللّه للمنافقين ، كانوا يعتزّون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء ، فلمّا ماتوا سلبهم اللّه العزّ كما سلب صاحب النار ضوؤه
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ
يقول في عذاب :
أَوْ كَصَيِّبٍ
هو المطر ، ضرب مثله في القرآن
فِيهِ ظُلُماتٌ
يقول : ابتلاء
وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ
تخويف
يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ
يقول : يكاد محكم القرآن يدلّ على عورات المنافقين
كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ
[ البقرة : 19 ، 20 ] يقول : كلما أصاب المنافقون في الإسلام عزّا اطمأنّوا ، فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ، ليرجعوا إلى الكفر ، كقوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ
[ الحج : 11 ] الآية « 1 » .
ومنها : قوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها . . .
[ الحج : 11 ] الآية . أخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ ، عن ابن عباس قال : هذا مثل ضربه اللّه ، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها :
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
وهو الشك
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
[ الرعد : 17 ] وهو اليقين ، كما يجعل الحلي في النار ، فيؤخذ خالصه ، ويترك خبثه في النار ، كذلك يقبل اللّه اليقين ويترك الشكّ .
وأخرج عن عطاء قال : هذا مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر .
وأخرج عن قتادة قال : هذه ثلاثة أمثال ضربها اللّه في مثل واحد ، يقول : كما اضمحلّ هذا الزّبد فصار جفاء لا ينتفع به ، ولا ترجى بركته ، كذلك يضمحلّ الباطل عن أهله . وكما مكث هذا الماء في الأرض ، فأمرعت ، وربت بركته ، وأخرجت نباتها ، وكذلك الذهب والفضة حين أدخل النار ، فأذهب خبثه ، كذلك يبقى الحقّ لأهله . وكما اضمحلّ خبث هذا الذهب حين أدخل في النار ، كذلك يضمحلّ الباطل عن أهله .
ومنها : قوله تعالى :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ
[ الأعراف : 85 ] الآية . أخرج ابن أبي حاتم ، من طريق عليّ ، عن ابن عباس ، قال : هذا مثل ضربه اللّه للمؤمن ، يقول : هو طيب وعمله طيب ؛ كما أنّ البلد الطيّب ثمرها طيّب . والذي خبث ضرب مثلا للكافر ، كالبلد السبخة المالحة ، والكافر هو الخبيث وعمله خبيث .
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ، حديث رقم ( 158 - 167 ) 1 / 60 - 63 ، وابن جرير في تفسيره 1 / 142 ، وانظر تفسير ابن كثير 1 / 81 .