وقد أفرد الناس كتبا فيما تضمّنه القرآن من الأحكام كالقاضي إسماعيل وأبي بكر بن العلاء ، وأبي بكر الرازيّ ، والكيا الهرّاسيّ ، وأبي بكر بن العربيّ ، وعبد المنعم بن الفرس ، وابن خويز منداد .
وأفرد آخرون كتبا فيما تضمنه من علم الباطن .
وأفرد ابن برّجان كتابا فيما تضمنه من معاضدة الأحاديث .
وقد ألّفت كتابا سميته « الإكليل في استنباط التنزيل » ذكرت فيه كلّ ما استنبط منه من مسألة فقهية أو أصلية ، أو اعتقادية ، وبعضا مما سوى ذلك ، كثير الفائدة جمّ العائدة ، يجري مجرى الشرح لما أجملته في هذا النوع ؛ فليراجعه من أراد الوقوف عليه .
فصل [ في آيات الأحكام ]
قال الغزالي وغيره : آيات الأحكام خمسمائة آية . وقال بعضهم : مائة وخمسون .
قيل : ولعلّ مرادهم المصرّح به ؛ فإن آيات القصص والأمثال وغيرها يستنبط منها كثير من الأحكام .
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتاب « الإمام في أدلة الأحكام » : معظم آي القرآن لا يخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة ، وأخلاق جميلة ، ثم من الآيات ما صرّح فيه بالأحكام ، ومنها ما يؤخذ بطريق الاستنباط :
إما بلا ضمّ إلى آية أخرى كاستنباط صحة أنكحة الكفار من قوله :
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ( 4 )
[ المسد : 4 ] . وصحة صوم الجنب ، من قوله :
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ
إلى قوله :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
الآية [ البقرة : 187 ] .
وإما به ، كاستنباط أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله :
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
[ لقمان : 14 ] .
قال : ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة ، وهو ظاهر ، وتارة بالإخبار مثل :
أُحِلَّ لَكُمْ
[ البقرة : 187 ] .
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
[ المائدة : 3 ] .
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
[ البقرة : 183 ] . وتارة بما رتّب عليها في العاجل أو الآجل من خير أو شر ، أو نفع أو ضرّ ، وقد نوّع الشارع ذلك أنواعا كثيرة ، ترغيبا لعباده ، وترهيبا وتقريبا إلى أفهامهم .
فكلّ فعل عظّمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله لأجله أو أحبّه أو أحبّ فاعله ، أو رضي به أو رضي عن فاعله ، أو وصفه بالاستقامة أو البركة أو الطيب ، أو أقسم به أو