وقال الراغب : إنّ اللّه تعالى كما جعل نبوّة النبيين بنبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مختتمة ، وشرائعهم بشريعته من وجه منتسخة ، ومن وجه مكمّلة متممة ، جعل كتابه المنزّل عليه متضمّنا لثمرة كتبه التي أولاها أولئك ، كما نبه عليه بقوله :
يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ( 2 ) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ( 3 )
[ البينة : 2 ، 3 ] . وجعل من معجزة هذا الكتاب : أنه مع قلة الحجم متضمن للمعنى الجمّ ، بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه ، والآلات الدنيوية عن استيفائه ، كما نبّه عليه بقوله :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[ لقمان : 27 ] فهو وإن كان لا يخلو للناظر فيه من نور ما يريه ونفع ما يوليه :
كالبدر من حيث التفتّ رأيته * يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
كالشّمس في كبد السماء وضوءها * يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
وأخرج أبو نعيم وغيره ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، قال : قيل لموسى عليه السلام : يا موسى ؛ إنما مثل كتاب أحمد في الكتب بمنزلة وعاء فيه لبن ؛ كلما مخضته أخرجت زبدته .
وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ في « قانون التأويل » « 1 » : علوم القرآن خمسون علما ، وأربعمائة علم ، وسبعة آلاف علم ، وسبعون ألف علم ؛ على عدد كلم القرآن ، مضروبة في أربعة ، إذ لكلّ كلمة ظهر وبطن ، وحدّ ومطلع ، وهذا مطلق دون اعتبار تركيب وما بينها من روابط ، وهذا ما لا يحصى ، ولا يعلمه إلّا اللّه .
قال : وأمّا علوم القرآن فثلاثة : توحيد ، وتذكير ، وأحكام : فالتوحيد يدخل فيه معرفة المخلوقات ، ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله . والتذكير منه الوعد والوعيد ، والجنّة والنار ، وتصفية الظاهر والباطن . والأحكام ، منها التكاليف كلها ، وتبيين المنافع والمضارّ ، والأمر والنهي والنّدب . ولذلك كانت الفاتحة أمّ القرآن ؛ لأن فيها الأقسام الثلاثة ، وسورة الإخلاص لاشتمالها على أحد الأقسام الثلاثة ، وهو التوحيد .
وقال ابن جرير « 2 » : القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء : التوحيد ، والإخبار ، والدّيانات ، ولهذا كانت سورة الإخلاص ثلثه ؛ لأنها تشمل التوحيد كلّه .
هامش
( 1 ) نقله في البرهان 1 / 16 - 17 .
( 2 ) انظر البرهان 1 / 18 .