تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
تدكدك الجبال ، فاستنبطوا ممّا فيه من الوعد والوعيد ، والتحذير ، والتبشير ؛ وذكر الموت والمعاد ، والنشر والحشر ، والحساب والعقاب ، والجنّة والنار فصولا من المواعظ ، وأصولا من الزواجر ، فسمّوا : بذلك الخطباء والوعّاظ . واستنبط قوم ممّا فيه من أصول التعبير ؛ مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان ، وفي منامي صاحبي السجن ، وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة ، وسمّوه : تعبير الرؤيا . واستنبطوا تفسير كلّ رؤيا من الكتاب ، فإن عزّ عليهم إخراجها منه فمن السنّة التي هي شارحة للكتاب ؛ فإن عسر فمن الحكم والأمثال . ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم ، وعرف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله :
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
[ الأعراف : 199 ] . وأخذ قوم ممّا في آية المواريث - من ذكر السّهام وأربابها وغير ذلك - علم الفرائض ، واستنبطوا منها من ذكر النّصف والثلث والربع والسّدس والثّمن حساب الفرائض ، ومسائل العول ، واستخرجوا منه أحكام الوصايا . ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدّالّات على الحكم الباهرة في الليل والنهار ، والشمس والقمر ومنازله ، والنجوم والبروج وغير ذلك ؛ فاستخرجوا منه : علم المواقيت . ونظر الكتّاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم وحسن السّياق ، والمبادئ والمقاطع والمخالص ، والتلوين في الخطاب ، والإطناب والإيجاز وغير ذلك ، فاستنبطوا منه : المعاني والبيان والبديع . ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة ، فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق جعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها ، مثل الفناء ، والبقاء ، والحضور ، والخوف ، والهيبة ، والأنس ، والوحشة ، والقبض ، والبسط ، وما أشبه ذلك ، هذه الفنون التي أخذتها الملّة الإسلامية منه . وقد احتوى على علوم أخرى من علوم الأوائل ، مثل الطبّ ، والجدل ، والهيئة ، والهندسة ، والجبر ، والمقابلة ، والنّجامة وغير ذلك . أمّا الطبّ : فمداره على حفظ نظام الصحّة واستحكام القوة ؛ وذلك إنما يكون باعتدال المزاج بتفاعل الكيفيّات المتضادة ، وقد جمع ذلك في آية واحدة وهي قوله تعالى :
وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
[ الفرقان : 67 ] . وعرّفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله ، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله تعالى :
شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ