والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن ، المغيّرات خلّق اللّه تعالى . فبلغ ذلك امرأة من بني أسد ، فقالت له : إنّه بلغني أنّك لعنت كيت وكيت ! فقال : وما لي لا ألعن من لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو في كتاب اللّه تعالى ! فقالت : لقد قرأت ما بين اللّوحين فما وجدت فيه كما تقول ؟ قال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه ، أما قرأت :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] . قالت : بلى ، قال : فإنّه قد نهى عنه « 1 » .
وحكى ابن سراقة في كتاب « الإعجاز » ، عن أبي بكر بن مجاهد ، أنه قال يوما : ما من شيء في العالم إلّا وهو في كتاب اللّه ، فقيل له : فأين ذكر الخانات فيه ؟ فقال : في قوله :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ
[ النور : 29 ] فهي الخانات .
وقال ابن برّجان : ما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من شيء فهو في القرآن به أو فيه أصله ، قرب أو بعد ، فهمه من فهمه ، وعمه عنه من عمه ، وكذا كلّ ما حكم أو قضى ، وإنما يدرك الطالب من ذلك بقدر اجتهاده وبذل وسعه ومقدار فهمه .
وقال غيره : ما من شيء إلّا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهّمه اللّه ، حتى إنّ بعضهم استنبط عمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثا وستين سنة من قوله في سورة المنافقين :
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها
[ المنافقون : 11 ] فإنها رأس ثلاث وستين سورة ، وعقّبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده .
وقال ابن أبي الفضل المرسيّ في تفسيره : جمع القرآن علوم الأوّلين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلّا المتكلّم بها ، ثم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خلا ما استأثر به سبحانه وتعالى ؛ ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم ، مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس ، حتى قال : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب اللّه تعالى . ثم ورث عنهم التابعون بإحسان ، ثم تقاصرت الهمم ، وفترت العزائم ، وتضاءل أهل العلم ، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه ، فنوّعوا علومه ، وقامت كلّ طائفة بفنّ من فنونه ، فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته ، ومعرفة مخارج
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 4886 - 4887 - 5931 - 5939 - 5943 - 5948 ) ، ومسلم ( 2125 ) ، وأبو داود ( 4169 ) ، والترمذي ( 2782 ) ، والنسائي 8 / 146 - 188 ، وابن ماجة ( 1989 ) ، وأحمد 1 / 433 - 434 - 443 - 448 - 454 - 462 ، وابن حبان ( 5504 - 5505 ) ، والبيهقي 7 / 208 - 312 ، والبغوي في شرح السنة ( 3191 ) ، وفي تفسيره 4 / 318 .