وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ
[ يوسف : 17 ] قيل : ما الحكمة في كونه لم يقل :
( وما أنت بمصدّق ) ، فإنه يؤدي معناه مع رعاية التجنيس .
وأجيب : بأنّ في
بِمُؤْمِنٍ لَنا
من المعنى ما ليس في ( مصدّق ) لأنّ معنى قولك :
( فلان مصدّق لي ) قال لي : صدقت ، وأمّا ( مؤمن ) فمعناه مع التصديق إعطاء الأمن ، ومقصودهم التصديق وزيادة ، وهو طلب الأمن ، فلذلك عبّر به .
وقد زلّ بعض الأدباء ، فقال في قوله :
أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ ( 125 )
[ الصافات : 125 ] : لو قال : ( وتدعون ) لكان فيه مراعاة للتجنيس .
وأجاب الإمام فخر الدين : بأن فصاحة القرآن ليست لرعاية هذه التكليفات ، بل لأجل قوّة المعاني وجزالة الألفاظ .
وأجاب غيره : بأن مراعاة المعاني أولى من مراعاة الألفاظ ، ولو قال :
أَ تَدْعُونَ
و ( تدععون ) لوقع الالتباس على القارئ ؛ فيجعلهما بمعنى واحد تصحيفا . وهذا الجواب غير ناضج .
وأجاب ابن الزملكانيّ : بأنّ التجنيس تحسين ، وإنما يستعمل في مقام الوعد والإحسان ، لا في مقام التهويل .
وأجاب الخويّي : بأنّ ( تدع ) أخصّ من ( تذر ) لأنه بمعنى ترك الشيء مع اعتنائه ، بشهادة الاشتقاق ، نحو الإيداع ، فإنّه عبارة عن ترك الوديعة مع الاعتناء بحالها ؛ ولهذا يختار لها من هو مؤتمن عليها . ومن ذلك الدعة بمعنى الراحة . وأما ( تذر ) فمعناه الترك مطلقا ، أو الترك مع الإعراض والرفض الكليّ .
قال الراغب : يقال : فلان يذر الشيء ، أي : يقذفه لقلة الاعتداد به ، ومنه الوذرة - قطعة من اللحم - لقلة الاعتداد به ، ولا شكّ أنّ السّياق إنّما يناسب هذا دون الأول ؛ فأريد هنا تبشيع حالهم في الإعراض عن ربّهم ، وأنهم بلغوا الغاية في الإعراض .
انتهى « 1 » .
الجمع
الجمع : هو أن يجمع بين شيئين أو أشياء متعددة في حكم ، كقوله تعالى :
هامش
( 1 ) انظر البرهان 3 / 453 ، والمفردات ص 539 .