يقصّ عليهم ، كما رواه الحاكم في مستدركه « 1 » ، فنزلت مبسوطة تامّة ، ليحصل لهم مقصود القصص : من استيعاب القصّة ، وترويح النفس بها ، والإحاطة بطرفيها .
وجواب خامس : وهو أقوى ما يجاب به ، أنّ قصص الأنبياء إنما كرّرت ؛ لأنّ المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم ، والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكلما كذبوا أنزلت قصّة منذرة بحلول العذاب ، كما حلّ على المكذبين ، ولهذا قال تعالى في آيات :
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ
[ الأنفال : 38 ] ،
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ
[ الأنعام : 6 ] ، وقصّة يوسف لم يقصد منها ذلك .
وبهذا - أيضا - يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أصحاب الكهف ، وقصة ذي القرنين ، وقصّة موسى مع الخضر ، وقصّة الذّبيح .
فإن قلت : قد تكررت قصة ولادة يحيى وولادة عيسى مرتين ، وليست من قبيل ما ذكرت .
قلت : الأولى : في سورة
كهيعص ( 1 )
، وهي مكية ، أنزلت خطابا لأهل مكة .
والثانية : في سورة آل عمران ، وهي مدنية ، أنزلت خطابا لليهود ولنصارى نجران حين قدموا ، ولهذا اتصل بها ذكر المحاجّة والمباهلة .
النوع الخامس : الصفة ،
وترد لأسباب « 2 » :
أحدها : التخصيص في النكرة : نحو
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
[ النساء : 92 ] .
الثاني : التوضيح في المعرفة : أي : زيادة البيان ، نحو :
وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ
[ الأعراف : 158 ] « 3 » .
الثالث : المدح والثناء : ومنه صفات اللّه تعالى ، نحو :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 1 - 4 ] ،
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[ الحشر : 24 ] .
ومنه :
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
[ المائدة : 44 ] ، فهذا الوصف للمدح ، وإظهار شرف الإسلام ، والتعريض باليهود وأنهم بعداء عن ملة الإسلام الذي هو دين
هامش
( 1 ) المستدرك 2 / 345 وصححه ، ووافقه الذهبي وسنده صحيح ، وقد سبق قريبا
( 2 ) انظر البرهان 2 / 422 - 429 .
( 3 ) انظر البرهان 2 / 424 .