ثمّ أوضح الأمر في عجزهم ؛ بأن كرّر ذكر القصة في مواضع ، إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله ، أي : بأيّ نظم جاءوا ، وبأيّ عبارة عبّروا .
ومنها : أنّه لما تحدّاهم قال :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] فلو ذكرت القصة في موضع واحد واكتفي بها ، لقال العربيّ : ائتونا أنتم بسورة من مثله ، فأنزلها اللّه سبحانه وتعالى في تعداد السّور ، دفعا لحجّتهم من كلّ وجه .
ومنها : أنّ القصّة لما كرّرت كان في ألفاظها في كلّ موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير ، وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى ، فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب في إخراج المعنى الواحد في صور متباينة في النّظم ، وجذب النفوس إلى سماعها ، لما جبلت عليه من حب التنقّل في الأشياء المتجدّدة واستلذاذها بها ، وإظهار خاصة القرآن ، حيث لم يحصل مع تكرير ذلك فيه هجنة في اللّفظ ، ولا ملل عند سماعه ؛ فباين ذلك كلام المخلوقين .
وقد سئل : ما الحكمة في عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد ، دون غيرها من القصص ؟ وأجيب بوجوه « 1 » :
أحدها : أنّ فيها تشبيب النسوة به ، وحال امرأة ونسوة افتتنوا بأبدع الناس جمالا ، فناسب عدم تكرارها لما فيه من الإغضاء والسّتر ، وقد صحّح الحاكم في مستدركه حديث النهي عن تعليم النساء سورة يوسف « 2 » .
ثانيا : أنها اختصّت بحصول الفرج بعد الشدّة ، بخلاف غيرها من القصص ، فإنّ مآلها إلى الوبال كقصة إبليس ، وقوم نوح وهود وصالح وغيرهم ، فلما اختصّت بذلك اتفقت الدواعي على نقلها ، لخروجها عن سمت القصص .
ثالثها : قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني « 3 » : إنّما كرّر اللّه قصص الأنبياء ، وساق قصة يوسف مساقا واحدا ، إشارة إلى عجز العرب ؛ كأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهم : إن كان من تلقاء نفسي ، فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في سائر القصص .
قلت : وظهر لي جواب رابع ، وهو أنّ سورة يوسف نزلت بسبب طلب الصحابة أن
هامش
( 1 ) انظر البرهان 3 / 29 .
( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك 2 / 345 ، والواحدي في أسباب النزول ص 269 ، وأبو يعلى في مسنده ( 740 ) 2 / 87 - 88 ، والطبري 12 / 90 ورجاله ثقات .
( 3 ) انظر البرهان 3 / 29 - 30 .