ومن ذلك تكرير الأمثال « 1 » : كقوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ( 20 ) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
[ فاطر : 19 - 23 ] .
وكذلك ضرب مثل المنافقين أوّل البقرة بالمستوقد نارا ، ثم ضربه بأصحاب الصّيّب .
قال الزمخشري « 2 » : والثاني أبلغ من الأوّل ؛ لأنه أدلّ على فرط الحيرة وشدّة الأمر وفظاعته . قال : ولذلك أخّر ، وهم يتدرّجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ .
ومن ذلك تكرير القصص « 3 » ، كقصّة آدم وموسى ونوح وغيرهم من الأنبياء ، قال بعضهم : ذكر اللّه موسى في مائة وعشرين موضعا من كتابه . وقال ابن العربيّ في القواصم :
ذكر اللّه قصّة نوح في خمس وعشرين آية ، وقصّة موسى في تسعين آية « 4 » .
وقد ألّف البدر بن جماعة كتابا سمّاه « المقتنص في فوائد تكرار القصص » وذكر في تكرير القصص فوائد « 5 » :
منها : أنّ في كلّ موضع زيادة شيء لم يذكر في الذي قبله ، أو إبدال كلمة بأخرى لنكتة ، وهذه عادة البلغاء .
ومنها : أنّ الرجل كان يسمع القصّة من القرآن ، ثم يعود إلى أهله ، ثم يهاجر بعده آخرون يحكون ما نزل بعد صدور من تقدمهم ؛ فلولا تكرار القصص لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصّة عيسى إلى قوم آخرين ؛ وكذا سائر القصص ؛ فأراد اللّه اشتراك الجميع فيها ، فيكون فيه إفادة لقوم وزيادة تأكيد لآخرين .
ومنها : أنّ في إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة ما لا يخفى من الفصاحة .
ومنها : أنّ الدواعي لا تتوفّر على نقلها كتوفّرها على نقل الأحكام ؛ فلهذا كرّرت القصص دون الأحكام .
ومنها : أنّه تعالى أنزل هذا القرآن ، وعجز القوم عن الإتيان بمثله ، بأيّ نظم جاءوا ،
هامش
( 1 ) انظر البرهان 3 / 25 .
( 2 ) الكشاف 1 / 213 .
( 3 ) انظر البرهان 3 / 25 ، والإعجاز اللغوي في القصة القرآنية لمحمود مصطفى ص 113 .
( 4 ) البرهان 3 / 25 .
( 5 ) انظر هذه الفوائد في البرهان 3 / 26 - 28 .