تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
كرّرت ثماني مرّات ، كلّ مرة عقب كلّ قصة ، فالإشارة في كلّ واحدة بذلك إلى قصة النبيّ المذكور قبلها وما اشتملت عليه من الآيات والعبر . وبقوله :
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
وإنّ إلى قومه خاصة . ولمّا كان مفهومه أنّ الأقل من قومه آمنوا ، أتى بوصفي العزيز الرحيم ، للإشارة إلى أنّ العزة على من لم يؤمن منهم ، والرحمة لمن آمن . وكذا قوله في سورة القمر [ الآية : 17 ] :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 )
قال الزّمخشري « 1 » : كرّر ليجدّدوا عند سماع كلّ نبأ منها اتعاظا ، وتنبيها أنّ كلا من تلك الأنباء مستحقّ لاعتبار يختص به ، وأن يتنبهوا كيلا يغلبهم السهو « 2 » والغفلة . قال في « عروس الأفراح » : فإن قلت : إذا كان المراد بكلّ ما قبله ، فليس ذلك بإطناب ؛ بل هي ألفاظ ؛ كلّ أريد به غير ما أريد بالآخر . قلت : إذا قلنا : العبرة بعموم اللفظ ، فكلّ واحد أريد به ما أريد بالآخر ، ولكن كرّر ليكون نصّا فيما يليه وظاهرا في غيره . فإن قلت : يلزم التأكيد . قلت : والأمر كذلك ، ولا يريد عليه أنّ التأكيد لا يزاد به عن ثلاثة ؛ لأنّ ذاك في التأكيد الذي هو تابع ، وأما ذكر الشيء في مقامات متعدّدة أكثر من ثلاثة فلا يمتنع . انتهى . ويقرب من ذلك ما ذكره ابن جرير في قوله تعالى :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا
إلى قوله :
وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
[ النساء : 131 ، 132 ] . قال : فإن قيل : ما وجه تكرار قوله :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
في آيتين إحداهما في أثر الأخرى ؟ قلنا : لاختلاف معنى الخبرين عمّا في السّماوات والأرض ، وذلك أنّ الخبر عنه في إحدى الآيتين : ذكر حاجته إلى بارئه ، وغنى بارئه عنه . وفي الأخرى : حفظ بارئه إياه ، وعلمه به وبتدبيره . قال : فإن قيل : أفلا قيل : ( وكان اللّه غنيّا حميدا وكفى باللّه وكيلا ) . قيل : ليس في الآية الأولى ما يصلح أن تختتم بوصفه معه بالحفظ والتدبير . انتهى . وقال تعالى :
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ
[ آل عمران : 78 ] .
هامش
( 1 ) انظر الكشاف 4 / 40 . ( 2 ) في المطبوعة : السرور ، وهو خطأ ، والمثبت من الكشاف 4 / 40 .
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 109 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي