فإن قلت : هذا النوع أحد أقسام النوع الذي قبله ، فإنّ منها التأكيد بتكرار اللفظ ، فلا يحسن عدّه نوعا مستقلا .
قلت : هو يجامعه ويفارقه ، ويزيد عليه وينقص عنه ، فصار أصلا برأسه . فإنه يكون التأكيد تكرارا كما تقدّم في أمثلته ، وقد لا يكون تكرارا كما تقدم - أيضا - ، وقد يكون التكرير غير تأكيد صناعة ، وإن كان مفيدا للتأكيد معنى .
ومنه : ما وقع فيه الفصل بين المكرّرين ؛ فإنّ التأكيد لا يفصل بينه وبين مؤكّده ، نحو :
اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ
[ الحشر : 18 ] .
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 42 ] فالآيتان من باب التكرير لا التأكيد اللفظي الصناعي .
ومنه : الآيات المتقدمة في التكرير للطول .
ومنه : ما كان لتعدّد المتعلّق « 1 » ، بأن يكون المكرّر ثانيا متعلّقا بغير ما تعلّق به الأول ، وهذا القسم يسمّى بالترديد ، كقوله :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ
[ النور : 35 ] وقع فيها الترديد أربع مرات .
وجعل منه قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 13 ، 16 ] فإنّها وإن تكرّرت نيّفا وثلاثين مرة ، فكلّ واحدة تتعلّق بما قبلها ، ولذلك زادت على ثلاثة ، ولو كان الجميع عائدا إلى شيء واحد لما زاد على ثلاثة ؛ لأنّ التأكيد لا يزيد عليها . قال ابن عبد السلام وغيره . وإن كان بعضها ليس بنعمة ، فذكر النقمة للتحذير نعمة . وقد سئل : أيّ نعمة في قوله :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 )
[ الرحمن : 26 ] ؟ فأجيب بأجوبة . أحسنها : النقل من دار الهموم إلى دار السرور ، وإراحة المؤمن والبارّ من الفاجر « 2 » .
وكذا قوله :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 )
في سورة المرسلات ؛ لأنه تعالى ذكر قصصا مختلفة ، وأتبع كل قصّة بهذا القول ؛ فكأنه قال عقب كل قصّة : ويل يومئذ للمكذّب بهذه القصة « 3 » .
وكذا قوله في سورة الشعراء [ الآية : 8 ] :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
هامش
( 1 ) انظر البرهان 3 / 18 .
( 2 ) انظر البرهان 3 / 18 .
( 3 ) انظر البرهان 3 / 19 .