تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 188 إلى 192 ] قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 188 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 189 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 190 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 191 ) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 )
شرح
لما أشعر به الأمر بالتقوى من التهديد( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ )في دعواك ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا أن يطلبوه( قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ )من الكفر 188 والمعاصي وبما تستحقون بسببه من العذاب فسينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة( فَكَذَّبُوهُ )أي فتموا 189 على تكذيبه وأصروا عليه( فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ )حسبما اقترحوا أما إن أرادوا بالسماء السحاب فظاهر وأما إن أراد والمظلة فلأن نزول العذاب من جهتها وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة دون نفسها إيذان بأن لهم يومئذ عذابا آخر غير عذاب الظلة وذلك بأن سلط اللّه عليهم الحر سبعة أيام ولياليها فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء ولا سرب فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا . روى أن شعيبا عليه السلام بعث إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلكت مدين بالصيحة والرجفة وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة( إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )أي في الشدة والهول وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ )( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لصرفه 191 صلّى اللّه عليه وسلم عن الحرص على إسلام قومه وقطع رجائه عنه ودفع تحسره على فواته تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله تعالىوَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُواالآية فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر مستقل متجدد النزول قد أتاهم من جهته تعالى بموجب رحمته الواسعة وما كان أكثرهم مؤمنين بعد ما سمعوها على التفصيل قصة بعد قصة لا بأن يتدبروا فيها ويعتبروا بما في كل واحدة منها من الدواعي إلى الإيمان والزواجر عن الكفر والطغيان ولا بأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة الناطقة بتلك القصص على ما هي عليه مع علمهم بأنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يسمع شيئا منها من أحد أصلا واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال كأن لم يسمعوا شيئا يزجرهم عن ذلك قطعا كما حقق في خاتمة قصة موسى عليه السلام( وَإِنَّهُ )أي ما ذكر من الآيات الكريمة الناطقة بالقصص المحكية أو القرآن 192 الذي هي من جملته( لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ )أي منزل من جهته تعالى سمى به مبالغة ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام تربيته تعالى ورأفته للكل كقوله تعالىوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً