تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
« 1 » وجاءت هذه الصفة بالاسم الذي فيه المبالغة ، لأن أذلة جمع ذليل وأعزة جمع عزيز ، وهما صفتا مبالغة ، وجاءت الصفة قبل هذا بالفعل في قوله :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
« 2 » لأن الاسم يدل على الثبوت ، فلما كانت صفة مبالغة ، وكانت لا تتجدد بل هي كالغريزة ، جاء الوصف بالاسم . ولما كانت قبل تتجدد ، لأنها عبارة عن أفعال الطاعة والثواب المترتب عليها ، جاء الوصف بالفعل الذي يقتضي التجدد . ولما كان الوصف الذي يتعلق بالمؤمن أوكد ، ولموصوفه الذي قدم على الوصف المتعلق بالكافر ، ولشرف المؤمن أيضا . ولما كان الوصف الذي بين المؤمن وربه أشرف من الوصف الذي بين المؤمن والمؤمن ، قدّم قوله يحبهم ويحبونه على قوله : أذلة على المؤمنين . وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من ذهب إلى أن الوصف إذا كان بالاسم وبالفعل لا يتقدم الوصف بالفعل على الوصف بالاسم إلا في ضرورة الشعر نحو قوله : وفرع يغشى المتن أسود فاحم إذ جاء ما ادعى أنه يكون في الضرورة في هذه الآية ، فقدم يحبهم ويحبونه - وهو فعل - على قوله : أذلة وهو اسم . وكذلك قوله تعالى :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ *
« 3 » وقرئ شاذا أذلة ، وهو اسم وكذا أعزة نصبا على الحال من النكرة إذا قربت من المعرفة بوصفها . وقرأ عبد اللّه : غلظاء على الكافرين مكان أعزة .
يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي في نصرة دينه . وظاهر هذه الجملة أنها صفة ، ويجوز أن تكون استئناف أخبار . وجوز أبو البقاء أن تكون في موضع نصب حالا من الضمير في أعزة .
وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
أي هم صلاب في دينه ، لا يبالون بمن لام فيه . فمتى شرعوا في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، أمضوه لا يمنعهم اعتراض معترض ، ولا قول قائل هذان الوصفان أعني : الجهاد والصلابة في الدين هما نتيجة الأوصاف السابقة ، لأنّ من أحب اللّه لا يخشى إلا إياه ، ومن كان عزيزا على الكافر جاهد في إخماده واستئصاله . وناسب تقديم الجهاد على انتفاء الخوف من اللائمين لمحاورته أعزة على الكافرين ، ولأن
هامش
( 1 ) سورة الفتح : 48 / 29 . ( 2 ) سورة المائدة : 5 / 54 . ( 3 ) سورة الأنعام : 6 / 92 .