تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
ضمير عائد على اللّه ، وهو تقديره بنصره وإظهار دينه ؛ وإذا كان كذلك فلا خلاف في الجواز . وإنما منعوا حيث لا يكون رابط وانتصاب جهد على أنه مصدر مؤكد ، والمعنى : أهؤلاء هم المقسمون باجتهاد منهم في الإيمان أنهم معكم ؟ ثم ظهر الآن من موالاتهم اليهود ما أكذبهم في أيمانهم . ويجوز أن ينتصب على الحال ، كما جوّزوا في فعلته جهدك وقوله : إنهم لمعكم ، حكاية لمعنى القسم لا للفظهم ، إذ لو كان لفظهم لكان إنا لمعكم .
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ
ظاهره أنه من جملة ما يقوله المؤمنون اعتمادا في الإخبار على ما حصل في اعتقادهم أي : بطلت أعمالهم إن كانوا يتكفلونها في رأي العين . قال الزمخشري : وفيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم ! ويحتمل أن يكون إخبارا من اللّه تعالى ، ويحتمل أن لا يكون خبرا بل دعاء إما من اللّه تعالى ، وإما من المؤمنين . وحبط العمل هنا هو على معنى التشبيه ، وإلا فلا عمل له في الحقيقة فيحبط وجوز الحوفي أن يكون حبطت أعمالهم خبرا ثانيا عن هؤلاء ، والخبر الأول هو قوله الذين أقسموا ، وأن يكون الذين ، صفة لهؤلاء ، ويكون حبطت هو الخبر . وقد تقدم ذكر قراءة أبي واقد والجراح حبطت بفتح الباء وأنها لغة .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
وابن كعب والضحاك والحسن وقتادة وابن جريج وغيرهم : نزلت خطابا للمؤمنين عامة إلى يوم القيامة . ومن يرتد جملة شرطية مستقلة ، وهي إخبار عن الغيب . وتعرض المفسرون هنا لمن ارتد في قصة طويلة نختصرها ، فنقول : ارتد في زمان الرسول صلى اللّه عليه وسلم مذحج ورئيسهم عبهلة بن كعب ذو الخمار ، وهو الأسود العنسي قتله فيروز على فراشه ، وأخبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقتله ، وسمى قاتله ليلة قتل . ومات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الغد ، وأتى خبر قتله في آخر ربيع الأول وبنو حنيفة رئيسهم مسيلمة قتله وحشي ، وبنو أسد رئيسهم طليحة بن خويلد هزمه خالد بن الوليد ، وأفلت ثم أسلم وحسن إسلامه . هذه ثلاث فرق ارتدت في حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وتنبأ رؤساؤهم . وارتد في خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه سبع فرق . فزارة قوم عيينة بن حصن ، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري ، وسليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل ، ويربوع قوم مالك بن نويرة ، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر وقد تنبأت وتزوجها مسيلمة وقال : الشاعر :
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها * وأصبحت أنبياء اللّه ذكرانا
البحر المحيط في التفسير — صفحة 296 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل