باللام ، وهذا الذي أجازه الزمخشري خلاف الظاهر . قال الزمخشري : فإن نظمت هدى وموعظة في سلك مصدّقا فما تصنع بقوله : وليحكم ؟ ( قلت ) : أصنع به كما صنعت بهدى وموعظة ، حين جعلتهما مفعولا لهما ، فأقدر : ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه آتيناه إياه انتهى . وهو جواب واضح .
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ
أمر تعالى أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل اللّه فيه من الأحكام ويكون هذا الأمر على سبيل الحكاية ، وقلنا لهم : احكموا ، أي حين إيتائه عيسى أمرناهم بالحكم بما فيه إذ لا يمكن ذلك أن يكون بعد بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، إذ شريعته ناسخة لجميع الشرائع ، أو بما أنزل اللّه فيه مخصوصا بالدلائل الدالة على نبوّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو قول الأصم ، أو بخصوص الزمان إلى بعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو عبر بالحكم بما أنزل اللّه فيه عن عدم تحريفه وتغييره . فالمعنى : وليقرأه أهل الإنجيل على الوجه الذي أنزل لا يغيرونه ولا يبدلونه ، وهذا بعيد . وظاهر الأمر يرد قول من قال : إن عيسى كان متعبدا بأحكام التوراة . وقال تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
« 1 » ولهذا القائل أن يقول : بما أنزل اللّه فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة . والذي يظهر أن الأحكام في الإنجيل قليلة ، وإنما أكثره زواجر . وتلك الأحكام المخالفة لأحكام التوراة أمروا بالعمل بها ، ولهذا جاء :
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
« 2 » .
وقرأ الجمهور : وليحكم بلام الأمر ساكنة ، وبعض القراء يكسرها . وقرأ أبيّ : وأن ليحكم بزيادة أن قبل لام كي ، وتقدّم كلام الزمخشري فيما يتعلق به . وقال ابن عطية :
والمعنى وآتيناه الإنجيل ليتضمن الهدى والنور والتصديق ، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه فيه انتهى . فعطف وليحكم على توهم علة ولذلك قال : ليتضمن الهدى . والزمخشري جعله معطوفا على هدى وموعظة ، على توهم النطق باللام فيهما كأنه قال : وللهدى والموعظة وللحكم أي : جعله مقطوعا مما قبله ، وقدر العامل مؤخرا أي : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه فيه آتيناه إياه . وقول الزمخشري أقرب إلى الصواب ، لأن الهدى الأول والنور والتصديق لم يؤت بها على سبيل العلة ، إنما جيء بقوله : فيه هدى ونور ، على معنى كائنا فيه ذلك ومصدقا ، وهذا معنى الحال ، والحال لا يكون علة . فقول ابن عطية : ليتضمن كيت وكيت ، وليحكم ، بعيد .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 50 .
( 2 ) سورة المائدة : 5 / 48 .