تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
حال من الكاف ، إذ لو كان حالا منها لكان التركيب لما بين يديك بكاف الخطاب ، وتأويله على أنه من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بعيد عن نظم القرآن ، وتقديره : وجعلناك يا محمد مهيمنا عليه أبعد . وأنكر ثعلب قول المبرد وابن قتيبة أنّ أصله مؤتمن .
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
ظاهره أنه أمر أن يحكم بما أنزل اللّه ، وتقدم قول من قال : إنها ناسخة لقوله :
أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
« 1 » وقال الجمهور : إن اخترت أن تحكم بينهم بما أنزل اللّه ، وهذا على قول من جعل الضمير في بينهم عائدا على اليهود ، ويكون على قول الجمهور أمر ندب ، وإن كان الضمير للمتحاكمين عموما ، فالخطاب للوجوب ولا نسخ .
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
أي لا توافقهم في أغراضهم الفاسدة من التفريق في القصاص بين الشريف والوضيع ، وغير ذلك من أهوائهم التي هي راجعة لغير الدين والشرع .
عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
الذي هو القرآن . وضمن تتبع معنى تنحرف ، أو تنصرف ، فلذلك عدي بعن أي : لا تنحرف أو تتزحزح عما جاءك متبعا أهواءهم ، أو بسبب أهوائهم . وقال أبو البقاء : عما جاءك في موضع الحال أي : عادلا عما جاءك ، ولم يضمن تتبع معنى ما تعدى بعن ، وهذا ليس بجيد . لأنّ عن حرف ناقص لا يصلح أن يكون حالا من الجثة ، كما لا يصلح أن يكون خبرا ، وإذا كان ناقصا فإنه يتعدى بكون مقيد لا بكون مطلق ، والكون المقيد لا يجوز حذفه .
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
الظاهر أنّ المضاف إليه كل المحذوف هو : أمة أي : لكل أمّة . والخطاب في منكم للناس أي : أيها الناس لليهود شرعة ومنهاج ، وللنصارى كذلك ، قاله : عليّ ، وقتادة والجمهور ، ويعنون في الأحكام . وأما المعتقد فواحد لجميع العالم توحيد ، وإيمان بالرسل ، وكتبها وما تضمنته من المعاد ، والجزاء الأخروي . وقد ذكر تعالى جماعة من الأنبياء شرائعهم مختلفة ثم قال :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
« 2 » والمعنى في المعتقدات . وقال ابن عطية : ويحتمل أن يكون المراد الأنبياء ، لا سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم ، وتجيء الآية مع هذا الاحتمال تنبيها لمحمد صلى اللّه عليه وسلم أي : فاحفظ شرعك ومنهاجك لئلا تستزلك اليهود وغيرهم في شيء منه
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 42 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 90 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 283 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل