قوم الآية على معنى : والجروح قصاص ، فمن أعطى دية الجرح وتصدق به فهو كفارة له إذا رضيت منه وقبلت . وفي مصحف أبي : ومن يتصدق به فإنه كفارة له .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
ناسب فيما تقدم ذكر الكافرين ، لأنه جاء عقيب قوله :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ
« 1 » الآية ففي ذلك إشارة إلى أنه لا يحكم بجميعها ، بل يخالف رأسا . ولذلك جاء :
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
« 2 » وهذا كفر ، فناسب ذكر الكافرين . وهنا جاء عقيب أشياء مخصوصة من أمر القتل والجروح ، فناسب ذكر الظلم المنافي للقصاص وعدم التسوية ، وإشارة إلى ما كانوا قرروه من عدم التساوي بين بني النضير وبني قريظة .
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ
مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تعالى أنّ التوراة يحكم بها النبيون ، ذكر أنه قفاهم بعيسى تنبيها على أنه من جملة الأنبياء ، وتنويها باسمه ، وتنزيها له عما يدعيه اليهود فيه ، وأنه من جملة مصدقي التوراة .
ومعنى : قفينا ، أتينا به ، يقفو آثارهم أي يتبعها . والضمير في آثارهم يعود على النبيين من قوله :
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
« 3 » وقيل : على الذين كتبت عليهم هذه الأحكام .
وعلى آثارهم ، متعلق بقفينا ، وبعيسى متعلق به أيضا . وهذا على سبيل التضمين أي : ثم جئنا على آثارهم بعيسى ابن مريم قافيا لهم ، وليس التضعيف في قفينا للتعدية ، إذ لو كان للتعدية ما جاء مع الباء المعدية ، ولا تعدى بعلى . وذلك أن قفا يتعدى لواحد قال تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
« 4 » وتقول : قفا فلان الأثر إذا اتبعه ، فلو كان التضعيف للتعدي لتعدى إلى اثنين منصوبين ، وكان يكون التركيب : ثم قفينا على آثارهم عيسى ابن مريم ، وكان يكون عيسى هو المفعول الأول ، وآثارهم المفعول الثاني ، لكنه ضمن معنى جاء وعدي بالياء ، وتعدى إلى آثارهم بعلى . وقال الزمخشري : قفيته مثل عقبته إذا اتبعته ، ثم يقال : قفيته بفلان وعقبته به ، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء .
( فإن قلت ) : فأين المفعول الأول في الآية ؟ ( قلت ) : هو محذوف ، والظرف الذي هو على آثارهم كالسادّ مسده ، لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه انتهى . وكلامه يحتاج
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 44 .
( 2 ) سورة المائدة : 5 / 44 .
( 3 ) سورة المائدة : 5 / 44 .
( 4 ) سورة الإسراء : 17 / 36 .