تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
ناسب هنا ذكر الفسق ، لأنه خرج عن أمر اللّه تعالى إذ تقدم قوله : وليحكم ، وهو أمر . كما قال تعالى :
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
« 1 » أي : خرج عن طاعة أمره تعالى . فقد اتضح مناسبة ختم الجملة الأولى بالكافرين ، والثانية بالظالمين ، والثالثة بالفاسقين . وقال ابن عطية : وتكرير هذه الصفات لمن لم يحكم بما أنزل اللّه هو على جهة التوكيد ، وأصوب ما يقال فيها : أنها تعم كل مؤمن وكافر ، فيجيء كل ذلك في الكافر على أتم وجوهه ، وفي المؤمن على معنى كفر المعصية وظلمها وفسقها . وقال القفال : هي لموصوف واحد كما تقول : من أطاع اللّه فهو البر ، ومن أطاع فهو المؤمن ، ومن أطاع فهو المتقي . وقيل : الأول في الجاحد ، والثاني والثالث في المقر التارك . وقال الأصم : الأول والثاني في اليهود ، والثالث في النصارى . وعلى قول ابن عطية يعم كل كافر ومؤمن ، يكون إطلاق الكافرين والظالمين والفاسقين عليهم للاشتراك في قدر مشترك .
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ
لما ذكر تعالى أنه أنزل التوراة فيها هدى ونور ، ولم يذكر من أنزلها عليه لاشتراك كلهم في أنها نزلت على موسى ، فترك ذكره للمعرفة بذلك ، ثم ذكر عيسى وأنه آتاه الإنجيل ، فذكره ليقروا أنه من جملة الأنبياء ، إذ اليهود تنكر نبوّته ، وإذا أنكرته أنكرت كتابه ، فنص تعالى عليه وعلى كتابه . ثم ذكر إنزال القرآن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فذكر الكتاب ، ومن أنزله مقرّرا لنبوّته وكتابه ، لأن الطائفتين ينكرون نبوته وكتابه . وجاء هنا ذكر المنزل إليه بكاف الخطاب ، لأنه أنص على المقصود . وكثيرا ما جاء ذلك بلفظ الخطاب لأنه لا يلبس البتة وبالحق : ملتبسا بالحق ومصاحبا له لا يفارقه ، لما كان متضمنا حقائق الأمور ، فكأنه نزل بها . ويحتمل أن يتعلق بأنزلنا أي : أنزلناه بأن حق ذلك ، لا أنه وجب على اللّه ، لكنه حق في نفسه . والألف واللام في الكتاب للعهد وهو القرآن بلا خلاف . وانتصب مصدقا على الحال لما بين يديه ، أي : لما تقدمه من الكتاب . الألف واللام فيه للجنس ، لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة ، ويحتمل أن تكون للعهد ، لأنه لم يرد به ما يقع عليه اسم الكتاب على الإطلاق ، وإنما أريد نوع معلوم منه ، وهو ما أنزل من السماء سوى القرآن . والفرق بينهما أنه في الأوّل يحتاج إلى تقدير الصفة ، وأنها حذفت ، والتقدير : من الكتاب الإلهي .
هامش
( 1 ) سورة الكهف : 18 / 50 .