أنه جعله مبتدأ ، والخبر محذوف ، لأنه لو جعله مبتدأ والخبر فاقطعوا لكان تخريجا على غير الوجه في كلام العرب ، ولكان قد تدخل الفاء في خبر أل وهو لا يجوز عنده . وقد تجاسر أبو عبد اللّه محمد بن عمر المدعو بالفخر الرازي ابن خطيب الري على سيبويه وقال عنه ما لم يقله فقال : الذي ذهب إليه سيبويه ليس بشيء ، ويدل على فساده وجوه : الأول : أنه طعن في القراءة المنقولة بالمتواتر عن الرسول ، وعن أعلام الأمة ، وذلك باطل قطعا .
( قلت ) : هذا تقوّل على سيبويه ، وقلة فهم عنه ، ولم يطعن سيبويه على قراءة الرفع ، بل وجهها التوجيه المذكور ، وأفهم أنّ المسألة ليست من باب الاشتغال المبني على جواز الابتداء فيه ، وكون جملة الأمر خبره ، أو لم ينصب الاسم ، إذ لو كانت منه لكان النصب أوجه كما كان في زيدا أضربه على ما تقرر في كلام العرب ، فكون جمهور القراء عدلوا إلى الرفع دليل على أنهم لم يجعلوا الرفع فيه على الابتداء المخبر عنه بفعل الأمر ، لأنه لا يجوز ذلك لأجل الفاء . فقوله : أبت العامة إلا الرفع تقوية لتخريجه ، وتوهين للنصب على الاشتغال مع وجود الفاء ، لأن النصب على الاشتغال المرجح على الابتداء في مثل هذا التركيب لا يجوز ، إلا إذا جاز أن يكون مبتدأ مخبرا عنه بالفعل الذي يفسر العامل في الاشتغال ، وهنا لا يجوز ذلك لأجل الفاء الداخلة على الخبر ، فكان ينبغي أن لا يجوز النصب . فمعنى كلام سيبويه يقوي الرفع على ما ذكر ، فكيف يكون طاعنا في الرفع ؟ وقد قال سيبويه : وقد يحسن ويستقيم : عبد اللّه فاضربه ، إذا كان مبنيا على مبتدأ مضمر أو مظهر ، فأما في المظهر فقولك :
هذا زيد فاضربه ، وإن شئت لم تظهر هذا ويعمل عمله إذا كان مظهرا وذلك كقولك : الهلال واللّه فانظر إليه ، فكأنك قلت : هذا الهلال ثم جئت بالأمر . ومن ذلك قول الشاعر :
وقائلة خولان فانكح فتاتهم * وأكرومة الحيين خلو كما هيا
هكذا سمع من العرب تنشده انتهى . فإذا كان سيبويه يقول : وقد يحسن ويستقيم . عبد اللّه فاضربه ، فكيف يكون طاعنا في الرفع ، وهو يقول : أنه يحسن ويستقيم ؟ لكنه جوزه على أنّ يكون المرفوع مبتدأ محذوف الخبر ، كما تأوله في السارق والسارقة ، أو خبر مبتدأ محذوف كقوله : الهلال واللّه فانظر إليه .
وقال الفخر الرازي : ( فإن قلت ) : - يعني سيبويه - لا أقول إن القراءة بالرفع غير جائزة ، ولكني أقول : القراءة بالنصب أولى ، فنقول له : هذا أيضا رديء ، لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها إلا عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة