تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
والتابعين أمر منكر مردود . ( قلت ) : هذا السؤال لم يقله سيبويه ، ولا هو ممن يقوله ، وكيف يقوله وهو قد رجح قراءة الرفع على ما أوضحناه ؟ وأيضا فقوله : لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها إلا عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين تشنيع ، وإيهام أن عيسى بن عمر قرأها من قبل نفسه ، وليس كذلك ، بل قراءته مستندة إلى الصحابة وإلى الرسول ، فقراءته قراءة الرسول أيضا ، وقوله : وجميع الأمة ، لا يصح هذا الإطلاق لأنّ عيسى بن عمر وإبراهيم بن أبي عبلة ومن وافقهما وأشياخهم الذين أخذوا عنهم هذه القراءة هم من الأمة . وقال سيبويه : وقد قرأ ناس والسارق والسارقة والزانية والزاني ، فأخبر أنها قراءة ناس . وقوله : وجميع الأمة لا يصح هذا العموم . قال الفخر الرازي : الثاني : من الوجوه التي تدل على فساد قول سيبويه أن القراءة بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القراء من قرأ :
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما
« 1 » بالنصب ، ولما لم يوجد في القراءة أحد قرأ كذلك ، علمنا سقوط هذا القول . ( قلت ) : لم يدّع سيبويه أنّ قراءة النصب أولى فيلزمه ما ذكر ، وإنما قال سيبويه : وقد قرأ ناس والسارق والسارقة والزانية والزاني ، وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة ، ولكن أبت العامة إلا القراءة بالرفع . ويعني سيبويه بقوله : من القوة ، لو عرى من الفاء المقدر دخولها على خبر الاسم المرفوع على الابتداء ، وجملة الأمر خبره ، ولكن أبت العامة أي - جمهور القراء - إلا الرفع لعلة دخول الفاء ، إذ لا يصح أن تكون جملة الأمر خبرا لهذا المبتدأ ، فلما دخلت الفاء رجح الجمهور الرفع . ولذلك لما ذكر سيبويه اختيار النصب في الأمر والنهي ، لم يمثله بالفاء بل عاريا منها . قال سيبويه : وذلك قولك : زيدا اضربه وعمرا أمر ربه ، وخالدا اضرب أباه ، وزيدا اشتر له ثوبا ثم قال : وقد يكون في الأمر والنهي أن يبنى الفعل على الاسم وذلك قوله : عبد اللّه فاضربه ، ابتدأت عبد اللّه فرفعت بالابتداء ، ونبهت المخاطب له ليعرفه باسمه ، ثم بنيت الفعل عليه كما فعلت ذلك في الخبر . فإذا قلت : زيدا فاضربه ، لم يستقم ، لم تحمله على الابتداء . ألا ترى أنك لو قلت : زيد فمنطلق ، لم يستقم ؟ فهذا دليل على أنه لا يجوز أن يكون مبتدأ يعني مخبرا عنه بفعل الأمر المقرون بالفاء الجائز دخولها على الخبر . ثم قال سيبويه : فإن شئت نصبته على شيء هذا يفسره . لما منع سيبويه الرفع فيه على الابتداء ، وجملة الأمر خبره لأجل الفاء ، أجاز نصبه على الاشتغال ، لا على أن الفاء هي الداخلة في خبر المبتدأ .
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 16 .