تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
وتلخيص ما يفهم من كلام سيبويه : أن الجملة الواقعة أمرا بغير فاء بعد اسم يختار فيه النصب ويجوز فيه الابتداء ، وجملة الأمر خبره ، فإن دخلت عليه الفاء فإمّا أن تقدرها الفاء الداخلة على الخبر ، أو عاطفة . فإن قدرتها الداخلة على الخبر فلا يجوز أن يكون ذلك الاسم مبتدأ وجملة الأمر خبره ، إلا إذا كان المبتدأ أجرى مجرى اسم الشرط لشبهه به ، وله شروط ذكرت في النحو . وإن كانت عاطفة كان ذلك الاسم مرفوعا ، إما مبتدأ كما تأول سيبويه في قوله : والسارق والسارقة ، وإما خبر مبتدأ محذوف كما قيل : القمر واللّه فانظر إليه . والنصب على هذا المعنى دون الرفع ، لأنك إذا نصبت احتجت إلى جملة فعلية تعطف عليها بالفاء ، وإلى حذف الفعل الناصب ، وإلى تحريف الفاء إلى غير محلها . فإذا قلت زيدا فاضربه ، فالتقدير : تنبه فاضرب زيدا اضربه . حذفت تنبه ، وحذفت اضرب ، وأخرت الفاء إلى دخولها على المفسر . وكان الرفع أولى ، لأنه ليس فيه إلا حذف مبتدأ ، أو حذف خبر . فالمحذوف أحد جزئي الإسناد فقط ، والفاء واقعة في موقعها ، ودل على ذلك المحذوف سياق الكلام والمعنى . قال سيبويه : وأما قوله عزّ وجل :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما
« 1 »
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
« 2 » فإنّ هذا لم يبن على الفعل ، ولكنه جاء على مثل قوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
« 3 » ثم قال بعد فيها :
أَنْهارٌ
فيها كذا وكذا ، فإنما وضع مثل للحديث الذي بعده ، وذكر بعد أخبار وأحاديث كأنه قال : ومن القصص مثل الجنة أو مما نقص عليكم مثل الجنة ، فهو محمول على هذا الإضمار أو نحوه واللّه أعلم . وكذلك الزانية والزاني لما قال تعالى :
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها
« 4 » قال في الفرائض :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
أو
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
« 5 » في الفرائض ثم قال : فاجلدوا ، فجاء بالفعل بعد أن مضى فيها الرفع كما قال : وقائلة خولان فانكح فتاتهم ، فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه الضمير ، وكذلك السارق والسارقة . كأنه قال : مما فرض عليكم السارق والسارقة ، أو السارق والسارقة فيما فرض عليكم . وإنما جاءت هذه الأسماء بعد قصص وأحاديث انتهى . فسيبويه إنما اختار هذا التخريج لأنه أقل كلفة من النصب مع وجود الفاء ، وليست الفاء الداخلة في خبر المبتدأ ، لأن سيبويه لا يجيز ذلك في أل الموصولة . فالآيتان عنده من
هامش
( 1 ) سورة النور : 24 / 2 . ( 2 ) سورة المائدة : 5 / 38 . ( 3 ) سورة الرعد : 13 / 35 . ( 4 ) سورة النور : 24 / 1 . ( 5 ) سورة النور : 24 / 2 .