تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
عنهم العلم نفيا كليا بحرف الاستغراق ثم قيل : وما علموه علم يقين ، وإحاطة لم يكن إلا تهكما انتهى . والظاهر قول الجمهور : إن الضمير يعود على عيسى بجعل الضمائر كلها كشيء واحد ، فلا تختلف . والمعنى صحيح بليغ ، وانتصاب يقينا على أنه مصدر في موضع الحال من فاعل قتلوه أي : متيقنين أنه عيسى كما ادعوا ذلك في قولهم : إنا قتلنا المسيح قاله : السدي . أو نعت لمصدر محذوف أي : قتلا يقينا جوزه الزمخشري . وقال الحسن : وما قتلوه حقا انتهى . فانتصابه على أنه مؤكد لمضمون الجملة المنفية كقولك : وما قتلوه حقا أي : حق انتفاء قتله حقا . وما حكي عن ابن الأنباري أنه في الكلام تقديما وتأخيرا ، وإن يقينا منصوب برفعه اللّه إليه ، والمعنى : بل رفعه اللّه إليه يقينا ، فلعله لا يصح عنه . وقد نص الخليل على أن ذلك خطأ ، لأنه لا يعمل ما بعد بل في ما قبلها .
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
هذا إبطال لما ادعوه من قتله وصلبه ، وهو حي في السماء الثانية على ما صح عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم في حديث المعراج . وهو هنالك مقيم حتى ينزله اللّه إلى الأرض لقتل الدجال ، وليملأها عدلا كما ملئت جورا ، ويحيا فيها أربعين سنة ثم يموت كما تموت البشر . وقال قتادة : رفع اللّه عيسى إليه فكساه الريش وألبسه النور ، وقطع عنه المطعم والمشرب ، فصار مع الملائكة ، فهو معهم حول العرش ، فصار إنسيّا ملكيا سماويا أرضيا . والضمير في إليه عائد إلى اللّه تعالى على حذف التقدير إلى سمائه ، وقد جاء
وَرافِعُكَ إِلَيَّ
« 1 » . وقيل : إلى حيث لا حكم فيه إلا له . ولا يوجه الدعاء إلا نحوه ، وهو راجع إلى الأول . وقال أبو عبد اللّه الرازي : أعلم اللّه تعالى عقيب ذكره أنه وصل إلى عيسى أنواع من البلايا ، أنه رفعه إليه فدل أنّ رفعه إليه أعظم في إيصال الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات الجسمانية ، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية انتهى . وفيه نحو من كلام المتفلسفة .
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
قال أبو عبد اللّه الرازي : المراد من المعزة كمال القدرة ، ومن الحكمة كمال العلم ، فنبه بهذا على أنّ رفع عيسى عليه السّلام من الدنيا إلى السماوات وإن كان كالمتعذر على البشر ، لكن لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وحكمتي
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 55 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 128 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل