التقدير : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه ، وكذا طبع على قلوبهم . وقيل : التقدير فبما نقضهم ميثاقهم لا يؤمنون إلا قليلا ، والفاء مقحمة . وما في قوله : فبما نقضهم كهي في قوله :
فَبِما رَحْمَةٍ
« 1 » وتقدّم الكلام فيها . والبهتان العظيم رميهم مريم عليها السّلام بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى عليه السّلام في المهد . قال ابن عطية : وإلا فلولا الآية لكانوا في قولهم جارين على حكم البشر في إنكار حمل من غير ذكر انتهى . ووصف بالعظم لأنهم تمادوا عليه بعد ظهور الآية وقيام المعجزة بالبراءة ، وقد جاءت تسمية الرمي بذلك بهتانا عظيما في قوله :
سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
« 2 » .
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ
الظاهر أن رسول اللّه من قولهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء ، كقول فرعون أن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون وقوله :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
« 3 » ويجوز أن يكون من كلام اللّه تعالى وضع الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنه رفعا لعيسى عليه السّلام ، كما كانوا يذكرونه به . ذكر الوجهين الزمخشري ، ولم يذكر ابن عطية سوى الثاني قال : هو إخبار من اللّه تعالى بصفة عيسى عليه السّلام ، وهي الرسالة على جهة إظهار ذنب هؤلاء المقرين بالقتل ولزمهم الذنب ، وهم لم يقتلوا عيسى ، لأنهم صلبوا ذلك الشخص على أنه عيسى ، وعلى أن عيسى كذاب ليس برسول . ولكن لزمهم الذنب من حيث اعتقدوا أنّ قتلهم وقع في عيسى ، فكأنهم قتلوه ، وليس يدفع الذنب عنهم اعتقادهم أنه غير رسول .
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
هذا إخبار منه تعالى بأنهم ما قتلوا عيسى وما صلبوه .
واختلف الرواة في كيفية القتل والصلب ، ولم يثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك شيء غير ما دل عليه القرآن .
ومنتهى ما آل إليه أمر عيسى عليه السّلام أنه طلبته اليهود فاختفى هو والحواريون في بيت ، فدلوا عليه وحضروا ليلا وهم ثلاثة عشر ، أو ثمانية عشر ، ففرقهم تلك الليلة ووجههم إلى الآفاق ، وبقي هو ورجل معه ، فرفع عيسى ، وألقى شبهه على الرجل فصلب . وقيل :
هو اليهودي الذي دل عليه .
وقيل : قال لأصحابه : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل ويخلص
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 159 .
( 2 ) سورة النور : 24 / 16 .
( 3 ) سورة هود : 11 / 87 .