تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
وغيرهم . وهذا فيه بعد لكثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه ، ولأن المعطوف على السبب سبب ، فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم في الوقت عن وقت التحريم ، فلا يمكن أن يكون جزء سبب أو مسببا إلا بتأويل بعيد وبيان ذلك أن قولهم على مريم بهتانا عظيما ، وقولهم : إنا قتلنا المسيح ، متأخر في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم ، فالأولى أن يكون التقدير : لعناهم ، وقد جاء مصرحا به في قوله :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً
« 1 » .
فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
تقدم تفسير هذه الجملة فأغنى عن إعادته .
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً
الظاهر في قوله : وبكفرهم ، وقولهم أنه معطوف على قوله : فبما نقضهم وما بعده . على أن الزمخشري أجاز أن يكون قوله : وبكفرهم وقولهم ، معطوفا على بكفرهم . وتكرار نسبة الكفر إليهم بحسب متعلقاته ، إذ كفروا بموسى ، ثم بعيسى ، ثم بمحمد عليه السّلام ، فعطف بعض كفرهم على بعض . قال الزمخشري : أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه ، كأنه قيل : فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات اللّه وقتلهم الأنبياء وقولهم :
قُلُوبُنا غُلْفٌ
« 2 » ، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم ، وافتخارهم بقتل عيسى عليه السّلام ، عاقبناهم . أو بل طبع اللّه عليها وجمعهم بين كفرهم ، وكذا وكذا . وقال الزمخشري أيضا : ( فإن قلت ) : هلا زعمت أنّ المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله : بل طبع اللّه عليها بكفرهم ؟ ( قلت ) : لم يصح هذا التقدير ، لأن قوله : بل طبع اللّه عليها بكفرهم ، ردّ وإنكار لقولهم : قلوبنا غلف ، فكان متعلقا به انتهى . وهو جواب حسن ، ويمتنع من وجه آخر وهو أنّ العطف ببل يكون للإضراب عن الحكم الأول ، وإثباته للثاني على جهة إبطال الأول ، أو الانتقال عاما في كتاب اللّه في الإخبار ، فلا يكون إلا للانتقال . ويستفاد من الجملة الثانية ما لا يستفاد من الجملة الأولى . والذي قدّره الزمخشري لا يسوغ فيه هذا الذي قرّرناه ، لأن قوله : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه ، وقولهم : قلوبنا غلف بل طبع اللّه عليها بكفرهم ، فأفادت الجملة الثانية ما أفادت الجملة الأولى وهو لا يجوز . لو قلت : مر زيد بعمرو ، بل مر زيد بعمرو ، لم يجز . وقد أجاز ذلك أبو البقاء وهو أن يكون
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 13 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 155 .