فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ
قال ابن عطية فيما لخصناه من كلامه ، هذا إخبار عن أشياء واقعوها في الضد مما أخذوا به ، نقضوا الميثاق الذي رفع عليهم الطور بسببه ، وجعلوا بدل الإيمان الذي تضمنه الأمر بدخول الباب سجدا المتضمن التواضع الذي هو ثمرة الإيمان ، كفرهم بآيات اللّه ، وبذل الطاعة ، وامتثال موافقته ، في أن لا يعدوا في السبت انتهاك أعظم الحرم ، وهو قتل الأنبياء ، وقابلوا أخذ الميثاق الغليظ بتجاهلهم وقولهم : قلوبنا غلف : أي : في حجب ، وغلف : فهي لا تفهم . وأضرب اللّه تعالى عن قولهم وكذبهم ، وأخبر تعالى أنه قد طبع عليها بسبب كفرهم انتهى . والميثاق المنقوض : أهو كتمانهم صفة الرسول وتكذيبه فيما جاء به ؟ أو تركهم العمل بما في كتابهم ؟ مع أنهم قبلوا والتزموا العمل بها قولان . وآيات اللّه التي كفروا بها أهي التي أنزلت عليهم في كتبهم ؟ أو جميع كتب اللّه المنزلة ؟ قولان .
وتقدم شرح قلوبنا غلف في البقرة .
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
أدغم لام بل في طاء طبع الكسائي وحمزة ، وأظهرها باقي السبعة . وقال الزجاج : بل طبع اللّه عليها بكفرهم خبر معناه الذم ، على أنّ قلوبهم بمنزلة المطبوع عليها التي لا تفهم أبدا ولا تطيع مرسلا . وقال الزمخشري : أرادوا بقولهم :
قلوبنا غلف ، أي أن اللّه خلق قلوبنا غلفا ، أي : في أكنة لا يتوصل إليها بشيء من الذكر والموعظة ، كما حكى اللّه عن المشركين :
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
« 1 » وتكذيب المجبرة أخزاهم اللّه فقيل لهم : خذلها اللّه ومنعها الألطاف بسبب كفرهم ، فصارت كالمطبوع عليها ، لا أن تخلق غلفا غير قابلة الذكر ، ولا متمكنة من قبوله انتهى . وهو على مذهبه الاعتزالي . وأما أهل السنة فيقولون : إن اللّه طبع عليها حقيقة كما أخبر تعالى إذ لا خالق غيره . والباء في فبما نقضهم تتعلق بمحذوف قدره الزمخشري : فعلنا بهم ما فعلناه .
وقدره ابن عطية : لعناهم وأذللناهم ، وحتمنا على الوافين منهم الخلود في جهنم . قال ابن عطية : وحذف جواب هذا الكلام بليغ متروك مع ذهن السامع انتهى . وتسمية ما يتعلق به المجرور بأنه جواب اصطلاح لم يعهد في علم النحو ، ولا تساعده اللغة ، لأنه ليس بجواب . وجوزوا أن يتعلق بقوله :
حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ
« 2 » على أن قوله :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا
« 3 » بدل من قوله : فبما نقضهم ميثاقهم ، وقاله الزجاج ، وأبو بكر ، والزمخشري ،
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : 43 / 20 .
( 2 ) سورة النساء : 4 / 16 .
( 3 ) سورة النساء : 4 / 160 .