تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 681

مساهمون:

ص٦٨١
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً
لما ذكر تعالى وعيد الكفار أعقب بوعد المؤمنين ، وجاءت جملة الكفار مؤكدة بأن على سبيل تحقيق الوعيد المؤكد ، ولم يحتج إلى ذلك في جملة المؤمنين ، وأتى فيها بالسين المشعرة بقصر مدة التنفيس على سبيل تقريب الخير من المؤمن وتبشيره به .
لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ
تقدم تفسير مثل هذا .
وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا
قال ابن عطية : أي يقي من الحر والبرد . ويصح أن يريد أنه ظل لا ينتقل ، كما يفعل ظل الدنيا فأكده بقوله : ظليلا لذلك ويصح أن يصفه بظليل لامتداده ، فقد قال عليه السلام : « إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها » انتهى كلامه . وقال أبو مسلم الظليل : هو القوي المتمكن . قال : ونعت الشيء بمثل ما اشتق من لفظه يكون مبالغة كقولهم : ليل أليل ، وداهية دهياء . وقال أبو عبد اللّه الرازي : وإنما قال ظلا ظليلا لأن بلاد العرب في غاية الحرارة ، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة ، ولهذا المعنى جعل كناية عن الراحة ووصفه بالظليل مبالغة في من أعظم أسباب الراحة ، ولهذا المعنى جعل كناية عن الراحة ووصفه بالظليل مبالغة في الراحة . وقال الزمخشري : ظليل صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه ، كما يقال : ليل أليل ، ويوم أيوم ، وما أشبه ذلك وهو ما كان فينانا لا جوب فيه ، ودائما لا تنسخه الشمس . وسجسجا لا حرّ فيه ولا برد ، وليس ذلك إلا ظل الجنة رزقنا اللّه بتوفيقه ما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل . وفي قراءة عبد اللّه : سيدخلهم بالياء انتهى . وقال الحسن : قد يكون ظل ليس بظليل يدخله الحر والشمس ، فلذلك وصف ظل الجنة بأنه ظليل . وعن الحسن : ظل أهل الجنة يقي الحر والسموم ، وظل أهل النار من يحموم لا بارد ولا كريم . ويقال : إنّ أوقات الجنة كلها سواء اعتدال ، لا حر فيها ولا برد . وقرأ النخعي وابن وثاب : سيدخلهم بالياء ، وكذا ويدخلهم ظلا ، فمن قرأ بالنون وهم الجمهور فلاحظ قوله في وعيد الكفار :
سَوْفَ نُصْلِيهِمْ
« 1 » ومن قرأ بالياء لاحظ قوله :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً
« 2 » فأجراه على الغيبة . وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعا من الفصاحة والبيان والبديع . الاستفهام الذي يراد به التعجب في : ألم تر في الموضعين . والخطاب العام ويراد به الخاص في : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ابن صوريا وكعبا وغيرهما من
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 56 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 56 .