تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 684

مساهمون:

ص٦٨٤
سليمان الدمشقي : نزلت في الأمراء أن يؤدوا الأمانة فيما ائتمنهم اللّه من أمر رعيته . وقيل : نزلت عامة ، وهو مروي عن : أبي ، وابن عباس ، والحسن ، وقتادة . ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر وعد المؤمنين ، وذكر عمل الصالحات ، نبه على هذين العملين الشريفين اللذين من اتصف بهما كان أحرى أن يتصف بغيرهما من الأعمال الصالحة ، فأحدهما ما يختص به الإنسان فيما بينه وبين غيره وهو أداء الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ، والثاني ما يكون بين اثنين من الفصل بينهما بالحكم العدل الخالي عن الهوى ، وهو من الأعمال العظيمة التي أمر اللّه بها رسله وأنبياءه والمؤمنين . ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ، ثم يشتغل بحال غيره ، أمر بأداء الأمانة أولا ثم بعده بالأمر بالحكم بالحق . والظاهر في : يأمركم أنّ الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة . وقال ابن جريج : خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في شأن مفتاح الكعبة . وقال علي ، وابن أسلم ، وشهر ، وابن زيد : خطاب لولاة المسلمين خاصة ، فهو للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمرائه ، ثم يتناول من بعدهم . وقال ابن عباس : في الولاة أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ، ويردوهنّ إلى الأزواج . وقيل : خطاب لليهود أمروا برد ما عندهم من الأمانة ، من نعت الرسول أن يظهروه لأهله ، إذ الخطاب معهم قبل هذه الآية . ونقل التبريزي : أنها خطاب لأمراء السرايا بحفظ الغنائم ووضعها في أهلها . وقيل : ذلك عام فيما كلفه العبد من العبادات . والأظهر ما قدمناه من أنّ الخطاب عام يتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ، ورد الظلامات ، وعدل الحكومات . ومنه دونهم من الناس في الودائع ، والعواري ، والشهادات ، والرجل يحكم في نازلة . قال ابن عباس : لم يرخص اللّه لموسر ولا معسر أن يمسك الأمانة . وقرئ : أن تؤدّوا الأمانة على التوحيد ، وأن تحكموا ، ظاهره : أن يكون معطوفا على أن تؤدّوا ، وفصل بين حرف العطف والمعطوف بإذا . وقد ذهب إلى ذلك بعض أصحابنا وجعله كقوله :
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
« 1 »
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
« 2 »
سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
« 3 » ففصل في هذه الآية بين
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 201 . ( 2 ) سورة يس : 36 / 9 . ( 3 ) سورة الطلاق : 65 / 2 .