تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 680

مساهمون:

ص٦٨٠
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
انتصاب كل على الظرف لأنه مضاف إلى ما المصدرية الظرفية ، والعامل فيه بدلناهم ، وهي جملة فيها معنى الشرط ، وهي في موضع الحال ، والعامل فيها نصليهم . والتبديل على معنيين : تبديل في الصفات مع بقاء العين ، وتبديل في الذوات بأن تذهب العين وتجيء مكانها عين أخرى ، يقال : هذا بدل هذا . والظاهر في الآية هذا المعنى الثاني . وأنه إذا نضج ذلك الجلد وتهرى وتلاشى جيء بجلد آخر مكانه ، ولهذا قال : جلودا غيرها . قال السدي : إن الجلود تخلق من اللحم ، فإذا أحرق جلد بدله اللّه من لحم الكافر جلدا آخر . وقيل : هي بعينها تعاد بعد إحراقها ، كما تعاد الأجساد بعد البلى في القبور ، فيكون ذلك عائدا إلى الصفة ، لا إلى الذات . وقال الفضيل : يجعل النضيج غير نضيج . وقيل : تبدل كل يوم سبع مرات . وقال الحسن : سبعين . وأبعد من ذهب إلى أن الجلود هي سرابيل من قطران تخالط جلودهم مخالطة لا يمكن إزالتها . فيبدل اللّه تلك السرابيل كل يوم مائة مرة . أو كما قيل : مائة ألف مرة . وسميت جلودا لملابستها الجلود . وأبعد أيضا من ذهب إلى أن هذا استعاره عن الدوام ، كلما انتهى فقد ابتدأ من أوله ، يعني : كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة ، بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا ، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه . وقال ابن عباس : يلبسهم اللّه جلودا بيضاء كأنها قراطيس . وقال عبد العزيز بن يحيى : يلبس أهل النار جلودا تؤلمهم ولا تؤلم هي .
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
أي ذلك التبديل كلما نضجت الجلود ، هو ليذوقوا ألم العذاب . وأتي بلفظ الذوق المشعر بالإحسان الأول وهو آلم ، فجعل كلما وقع التبديل كان لذوق العذاب بخلاف من تمرن على العذاب . وقال الزمخشري : ليذوقوا العذاب ليدوم لهم دونه ولا ينقطع ، كقولك للعزيز : أعزك اللّه أي أدامك على عزك ، وزادك فيه .
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً
أي عزيزا لا يغالب ، حكيما يضع الأشياء مواضعها . وقال الزمخشري : عزيز لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ، حكيما لا يعذب إلا بعدل من يستحقه .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 57 ]

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ( 57 )