تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 86 إلى 88 ]

وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 86 ) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 87 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) والكفل الحظّ
كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ
أي هؤلاء المذكورون كلّهم موصوفون بالصبر . 86 -
وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا
نبوّتنا ، أو النعمة في الآخرة
إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ
أي ممن لا يشوب صلاحهم كدر الفساد . 87 -
وَذَا النُّونِ
أي اذكر صاحب الحوت ، والنون الحوت فأضيف إليه
إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً
حال أي مراغما لقومه ، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها ، روي أنه برم بقومه لطول ما ذكّرهم فلم يتّعظوا وأقاموا على كفرهم ، فراغمهم وظنّ أنّ ذلك يسوّغ حيث لم يفعله إلا غضبا للّه وبغضا للكفر وأهله ، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من اللّه تعالى في المهاجرة عنهم ، فابتلي ببطن الحوت
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ
نضيّق
عَلَيْهِ
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه دخل يوما على معاوية ، فقال : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك ، قال : وما هي يا معاوية ؟ فقرأ الآية ، فقال أو يظن نبيّ اللّه أن لا يقدر عليه ؟ قال : هذا من القدر لا من القدرة
فَنادى فِي الظُّلُماتِ
أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت ، كقوله :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ
« 1 » أو ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت
أَنْ
أي بأنه
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ
أو بمعنى أي
سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لنفسي في خروجي من قومي قبل أن تأذن لي ، في الحديث : ( ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له ) « 2 » وعن الحسن : ما نجاه واللّه إلا إقراره على نفسه بالظلم . 88 -
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ
غمّ الزّلّة والوحشة والوحدة
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
إذا دعونا واستغاثوا بنا . نجّي شامي وأبو بكر بادغام النون في الجيم عند البعض لأنّ النون لا تدغم في الجيم ، وقيل تقديره نجّي النجاء المؤمنين ، فسكّن الياء تخفيفا وأسند الفعل إلى المصدر ونصب المؤمنين بالنجاء ، لكن فيه إقامة المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول وهذا لا يجوز ، وفيه تسكين الياء وبابه الضرورات ،
هامش
( 1 ) البقرة ، 2 / 17 . ( 2 ) كنز العمال 2 / 3418 .