هذه ليلة العيد ، تصدّق على هذا المسكين وارسم بخلاصه . فقال له سلار : يا أبي أنت غافل عما فعل هذا ، والله والله أنت تعلم محلك عندي ، لو كان هو إلى اليوم باقياً في الوزارة ما كنت أنا ولا أنت في الحياة ، وأنا أعرفك به ، فإن كان ذهبه يسيراً وأمرت لي بخلاصه أخلّصه ، ثم شرع يحدثه ما فعله في غيبته ، وكيف راح إلى الإسكندرية ، وكيف اجتمع مع السلطان وتكلم معه شيئاً كثيراً ، ومن جملة ما قال : أش هم هؤلاء وأراد به إيانا ، فأي وقت اشتهيت مسكتهم مثل الكلاب ، واتفق معه على أمور كثيرة في الفساد والإيقاع بنا ، وجسّر السلطان على أمور ما كانت في نفسه ، وهذا الرجل قد قصد فتنة كبيرة بين المسلمين ، والله عز وجل يقول : " والفتنة أشد من القتل " . فإن كنت تختار أن نطلقه ، نفرج عنه ، قد عرفتك ذنبه ، فلما سمع بيبرس ذلك منه تحقق أن سلار ما يفعل كذباً . فقال له : من يرمي فتنة بين المسلمين يستحق هذا وأنحس منه ، ثم قام من عنده وشرع في تجهيزه إلى الحجاز الشريف .
ولما استهل شهر ذي القعدة : ركب الأمير بيبرس والأمراء صحبته ، وأمر لمشد الدواوين بعقوبة ناصر الدين المذكور وضربه بالمقارع ، فأقام يعاقبه سبعة أيام ، وتوفي بعدها من ألم الضرب ، وكان فيه عصبية ومروءة وأريحية ، وكان ينبعث للخير ، وله كتابة حسنة ، ومعرفة بالحساب .
قال صاحب النزهة : وكان أصله من بلاد ماردين ، وكان قدم إلى الديار المصرية مع رسل السلطان أحمد وقاصد صاحب ماردين ، وكان ماشياً طول
عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان — صفحة 364
مساهمون: العيني
ص٣٦٤