أما حديث من أغار على ماردين فمن رجّالة بلادنا المتطرفة ، وما نسبوه إليهم من الإقدام على الأمور البديعة ، والأحوال الشنيعة . وقولهم إنهم أنفوا من تهجّمهم ، وغاروا من تقحمهم ، واقتضت الحمية ركوبهم في مقابلة ذلك ، فقد تلمّحنا هذه الصورة التي أقاموها عذراً في العدوان ، وجعلوها سبباً إلى ما ارتكبوه من طغيان فالجواب عن ذلك أن الغارات من الطرفين ، لم يحصل من المهادنة والموادعة ما يكف يدها الممتدة ولا يغير هممها مستعدة ، وقد كان آباؤكم وأجدادكم على ما علمتم من الكفر والنفاق ، وعدم المصافاة للإسلام والوفاق ، ولم يزل ملك ماردين ورعاياه منفذين ما يصدر من الأذى للبلاد والعباد ، عنهم متوليّين ، كبر مكرهم ، والله تعالى يقول : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " .
ومن حيث جعلتم هذا جنباً موجباً للحمية الجاهلية ، وحاملاً على الانتصار الذي زعمتم أن هممكم به مليّة ، فقد كان هذا القصد الذي ادعيتموه يتم بالانتقام من أهل تلك الأطراف التي أوجب ذلك فعلها والاقتصار على أخذ الثأر ممن ثار ، اتباعاً لقوله تعالى : " وجزاء سيئة سيئةٌ مثلها " لا أن تقصدوا الإسلام بالجموع الملفقة على اختلاف الأديان ، وتطأوا البقاع الطاهرة بعبدة الصلبان ، وتنتهك حرمة البيت المقدس الذي هو ثاني بيت الله الحرام ، وشقيق مسجد
عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان — صفحة 159
مساهمون: العيني
ص١٥٩