تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
44 / 4 - 7 4 -
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ
هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسّر بهما جواب القسم ، كأنه قيل أنزلناه لأنّ من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب ، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا لأنّ إنزال القرآن من الأمور الحكميّة ، وهذه الليلة مفرق كلّ أمر حكيم ، ومعنى يفرق يفصل ويكتب كلّ أمر من أرزاق العباد وآجالهم ، وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى ليلة القدر التي تجيء في السنة المقبلة
حَكِيمٍ
ذي حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة ، وهو من الإسناد المجازيّ لأنّ الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجاز « 1 » . 5 -
أَمْراً مِنْ عِنْدِنا
نصب على الاختصاص ، جعل كلّ أمر جزلا فخما بأن وصفه بالحكيم ، ثم زاده جزالة وفخامة بأن قال أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا كما اقتضاه علمنا وتدبيرنا
إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
بدل من إنّا كنّا منذرين . 6 -
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
مفعول له على معنى إنا أنزلنا القرآن لأنّ من شأننا وعادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم ، أو تعليل لقوله أمرا من عندنا ، ورحمة مفعول به وقد وصف الرحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله :
وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
« 2 » والأصل إنّا كنا مرسلين رحمة منا ، فوضع الظاهر موضع الضمير إيذانا بأنّ الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
لأقوالهم
الْعَلِيمُ
بأحوالهم . 7 -
رَبِّ
كوفي بدل من ربّك ، وغيرهم بالرفع أي هو ربّ
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
ومعنى الشرط أنهم كانوا يقرّون بأنّ للسماوات والأرض ربّا وخالقا ، فقيل لهم إنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الربّ ، ثم قيل إنّ هذا الربّ هو السميع العليم الذي أنتم مقرّون به ومعترفون بأنه ربّ السماوات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم وإيقان ، كما تقول إنّ هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه إن بلغك حديثه وحدثت بقصّته .
هامش
( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) مجازا بصيغة المعلوم ، والنسفي أكثر ما اعتمد في أسلوبه على المبني للمجهول لذلك أثبتنا ما في ( أ ) . ( 2 ) فاطر ، 35 / 2 .