[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 37 إلى 38 ]
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 )
37 -
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها .
وبنصب آدم ورفع كلمات مكي على أنّها استقبلته بأن بلغته واتصلت به ، وهن قوله تعالى :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
« 1 » وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنّ أحبّ الكلام إلى اللّه تعالى ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة :
سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنّه لا يغفر الذنوب إلا أنت « 2 » . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : يا ربّ ألم تخلقني بيدك . قال : بلى . قال : يا ربّ ألم تنفخ فيّ من روحك ، ألم تسبق رحمتك غضبك ، ألم تسكني جنتك . وهو تعالى يقول : بلى بلى . قال : فلم أخرجتني من الجنة . قال : بشؤم معصيتك . قال : فلو تبت أراجعي أنت إليها . قال :
نعم « 3 »
فَتابَ عَلَيْهِ
فرجع عليه بالرحمة والقبول ، واكتفى بذكر توبة آدم لأنّ حواء كانت تبعا له ، وقد طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسّنّة لذلك ،
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ
الكثير القبول للتوبة
الرَّحِيمُ
على عباده .
38 -
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً
حال أي مجتمعين . وكرر الأمر بالهبوط للتأكيد ، أو لأنّ الهبوط الأوّل من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض ، أو لما نيط به من زيادة قوله ،
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
أي رسول أبعثه إليكم ، أو كتاب أنزله عليكم بدليل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا
في مقابلة قوله :
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ
أي بالقبول والإيمان به
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
في المستقبل
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
على ما خلّفوا ، والشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول ، كقولك إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك . فلا خوف « 4 » في كلّ القرآن يعقوب « 5 » .
هامش
( 1 ) الأعراف ، 7 / 23 .
( 2 ) موقوف أخرجه ابن أبي شيبة في أوائل الصلاة من رواية إبراهيم التيمي عن الحرث بن سويد قال : قال ابن مسعود . . . فذكره ، ولم يقل : ما قال أبونا آدم حين اقترف الخطيئة .
( 3 ) موقوف أخرجه الحاكم في ترجمة آدم من تواريخ الأنبياء من رواية المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير عنه .
( 4 ) زاد في ( ز ) بالفتح .
( 5 ) يعقوب : هو يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري ، أبو محمد ، أحد القراء العشرة ولد عام 117 ه وتوفي بالبصرة عام 205 ه ( غاية النهاية 2 / 386 ) .