تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1895

مساهمون:

ص١٨٩٥
المتعلمين الحاسبين ، وأفواههم مملوءة من الماء ، حتى إذا انتهى إلقاؤه ، وقال : ما معكم - رمى كلّ واحد بما في فمه ، وقال ما معه ليعوّدهم خزل اللسان عن تحصيل المفهوم عن المسموع . وللقوم في التعلم سيرة بديعة ، وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب ، فإذا عبر المكتب أخذه بتعليم الخط والحساب والعربية ، فإذا حذقه كله أو حذق منه ما قدّر له خرج إلى المقرئ فلقّنه كتاب اللّه ، فحفظ منه كل يوم ربع حزب ، أو نصفه ، أو حزبا ، حتى إذا حفظ القرآن خرج إلى ما شاء اللّه من تعليم العلم أو تركه . ومنهم - وهم الأكثر - من يؤخّر حفظ القرآن ، ويتعلم الفقه والحديث ، وما شاء اللّه ، فربما كان إماما ، وهو لا يحفظه ، وما رأيت بعيني إماما يحفظ القرآن ، ولا رأيت فقيها يحفظه إلا اثنين ، ذلك لتعلموا أنّ المقصود حدوده لا حروفه ، وعلقت القلوب اليوم بالحروف ، وضيّعوا الحدود ، خلافا لأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لكنه إنفاذ لقدر اللّه ، وتحقيق لوعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتبيين لنبوته ، وعضد لمعجزته . المسألة الثالثة - الباري سبحانه يجمع القرآن في قلب الرسول تيسيرا للتبليغ ، ويجمعه « 1 » في قلب غيره ، تيسيرا لإقامة الحجة ، فإما أن يكون شفاء لما يعرض في الصدور ، وإما أن يكون عمى في الأبصار والبصائر ، وإما أن يكون بينه وبين العلم به رين ، فيبقى تاليا ، ولا يجعل له من المعرفة ثانيا ، وهو أخفّه حالا وأسلمه مآلا ، وقد حقق اللّه لرسوله وعده بقوله « 2 » :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
، وهو خبر ، وليس بأمر معنوي لثبوت الياء في الخط إجماعا ، وليس ينبغي بعد هذا تأويل ، لأنه لا يحتاج إليه . وفي الصحيح أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يعارضه جبريل القرآن مرّة في كل شهر رمضان ، حتى كان العام الذي قبضه اللّه بينه وبين الآخر عارضه مرّتين ، ففطن لتأكيد الحفظ والجمع عنده ، وقال : ما أراه إلّا قد حضر أجلى ، إذ كان المقصود من بعثه إلى الخلق تبليغ الأحكام وتمهيد الشرع ، ثم يستأثر اللّه به على الخلق ، ويظهره برفعه إليه عنهم ، وينفذ بعد ذلك حكمه فيهم .
هامش
( 1 ) في ش : بتيسير التبليغ وجمعه . ( 2 ) سورة الأعلى ، آية 6 .