تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1458

مساهمون:

ص١٤٥٨
فاعترض عليه القاضي أبو بكر ، ونقض كلامه بالإمامة الكبرى ؛ فإنّ الغرض منها حفظ الثغور ، وتدبير الأمور ، وحماية البيضة ، وقبض الخراج ، وردّه على « 1 » مستحقيه ؛ وذلك يتأتّى من المرأة كتأتّيه من الرجل . فقال له أبو الفرج بن طرار : هذا هو الأصل في الشرع ، إلا أن يقوم دليل على منعه . فقال له القاضي أبو بكر : لا نسلّم أنه أصل الشرع . قال القاضي عبد الوهاب : هذا تعليل للنقض ، يريد : والنقض لا يعلّل . وقد بينا فساد قول القاضي عبد الوهاب في أصول الفقه . قال الفقيه القاضي أبو بكر رحمه اللّه : ليس كلام الشيخين في هذه المسألة بشيء « 2 » ، فإن المرأة لا يتأتّى منها أن تبرز إلى المجالس ، ولا تخالط الرجال ، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير ، لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها ، وإن كانت متجالّة « 3 » برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم ، وتكون منظرة لهم ، ولم يفلح قط من تصوّر هذا ، ولا من اعتقده . الآية العاشرة - قوله تعالى « 4 » :
قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
. فيها مسألتان : المسألة الأولى - قوله :
سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ
. لم يعاقبه ، لأنه اعتذر له ، ولا أحد أحبّ إليه العذر من اللّه ، ولذلك بعث النبيين مبشّرين ومنذرين . وكذلك يجب على الوالي أن يقبل عذر رعيته ، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم ، ولكن له أن يمتحن ذلك إذا تعلّق به حكم من أحكام الشريعة ، كما فعل سليمان ؛ فإنه لما قال له [ الهدهد ] « 5 » : « 6 »
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ، وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
لم يستفزه الطمع ، ولا استجرّه حبّ الزيادة في الملك إلى أن يعرض له ، حتى قال « 7 » :
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
، حينئذ غاظه ما سمع ، وطلب الانتهاء إلى ما أخبر ، وتحصيل علم ما غاب من ذلك ، حتى يغيّره بالحق ، ويردّه إلى اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) في م : إلى . ( 2 ) في م : بمتقن . ( 3 ) تجالت المرأة : أسنت وكبرت ( النهاية ) . ( 4 ) آية 27 . ( 5 ) من م . ( 6 ) آية 23 من السورة . ( 7 ) آية 24 من السورة .